اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٦٣ - المادّية التأريخية والصفة الواقعة
على أساس المادّية الديالكتيكة !!
وقد مرّ بنا ـ في ( فلسفتنا ) ـ أنّ هذه الثنائية تزوير على البحث الفلسفي يُستهدف من ورائه اتّهام كلّ خصوم المادّية الجدلية بأنّهم تصوّريون مثاليون ، لا يؤمنون بالواقع الموضوعي للعالم ، بالرغم من أنّ الإيمان بهذا الواقع ليس وقفاً على المادّية الجدلية فحسب ، ولا يعني رفضها بحال من الأحوال التشكيك في هذا الواقع أو إنكاره ...
وكذلك القول في حقلنا الجديد ، فإنّ الإيمان بالحقيقة الموضوعية للمجتمع ، ولأحداث التأريخ ، لا ينتج الأخذ بالمفهوم المادّي ، فهناك واقع ثابت لأحداث التأريخ وكلّ حدث في الحاضر أو الماضي قد وقع فعلاً بشكل معيّن خارج شعورنا بتلك الأحداث ، وهذا ما نتفق عليه جميعاً . وليس هو من مزايا المادّية التأريخية فحسب ، بل يؤمن به كل من يفسّر أحداث التأريخ أو تطوّراته بالأفكار ، أو بالعامل الطبيعي ، أو الجنسي ، أو بأيّ شيء آخر من هذه الأسباب . كما تؤمن به الماركسية لتي تفسّر التأريخ بتطوّر القوى المنتجة .
فالإيمان بالحقيقة الموضوعية هو نقطة الانطلاق لكلّ تلك المفاهيم عن التأريخ ، والبديهة الأُولى التي تقوم تلك التفسيرات المختلفة على أساسها .
* * *
وشيء آخر : هو أنّ أحداث التأريخ بصفتها جزءاً من مجموعة أحداث الكون ، تخضع للقوانين العامة التي تسيطر على العالم. ومن تلك القوانين مبدأ العلّية ، القائل : إنّ كلّ حدث ، سواء أكان تأريخياً أو طبيعياً ، أم أيّ شيء آخر ، لا يمكن أن يوجد صدفةً وارتجالاً ، وإنّما هو منبثق عن سبب . فكلّ نتيجة مرتبطة بسببها ، وكلّ حادث متّصل بمقدّماته . وبدون تطبيق هذا المبدأ ـ مبدأ العلّية ـ على المجال التأريخي يكون البحث التأريخي غير ذي معنى .
فالإيمان بالحقيقة الموضوعية لأحداث التأريخ ، والاعتقاد بأنّها تسير وفقاً