اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٥٤ - المذهب الاقتصادي
ما يطلق عليه في البحث الفقهي اسم : العرف العام أو (السيرة العقلائية) . ومردّه في الحقيقة إلى اكتشاف موافقة الشريعة على سلوك عام معاصر لعهد التشريع ، عن طريق عدم ورود النهي عنه في الشريعة ، إذ لو لم تكن الشريعة موافقة على ذلك السلوك الذي عاصرته لنهت عنه ، فعدم النهي دليل الموافقة .
ويتوقف هذا الاستدلال من الناحية الفقهية على عدّة أمور :
فأوّلاً : يجب التأكّد من وجود ذلك السلوك تأريخياً في عصر التشريع ، إذ لو كان السلوك متأخّراً زمنياً عن عصر التشريع لم يكن سكوت الشريعة عنه دليلاً على رضاها به ، وإنّما يستكشف الرضا من السكوت إذا عاش السلوك عصر التشريع .
وثانياً : يجب التأكّد من عدم صدور النهي من الشريعة عن ذلك السلوك ، ولا يكفي عدم العلم بصدوره ؛ فما لم يجزم الباحث بعدم صدور النهي ليس من حقّه أن يستكشف سماح الإسلام بذلك السلوك ؛ ما دام من المحتمل أن تكون الشريعة قد نهت عنه .
وثالثاً : يجب أخذ جميع الصفات والشروط الموضوعية المتوفّرة في ذلك السلوك بعين الاعتبار ؛ لأنّ من الممكن أن يكون لبعض تلك الصفات والشروط أثر في السماح بذلك السلوك وعدم تحريمه . فإذا ضبطناً جميع الصفات والشروط التي كانت تكتنف ذلك السلوك الذي عاصر التشريع ، أمكننا أن نستكشف من سكوت الشريعة عنه : سَمَاحَها بذلك السلوك متى ما وجد ضمن تلك الصفات والشروط التي ضبطناها .
نستطيع الآن في ضوء هذا الشرح أن نفهم كيف يتسرّب العنصر الذاتي إلى هذا الدليل ، متمثّلاً في تجريد السلوك من ظروفه وشروطه .