اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٠٣ - التداول
المجال لتأخير الشراء عن البيع ، فالبائع لم يعد مضطرّاً لكي يبيع حنطته أن يشتري من الآخر ما ينتجه من القطن ، بل يمكنه أن يبيع حنطته نظير نقدٍ معيّن ويحتفظ بالنقد لنفسه ويؤجّل شراء القطن إلى وقت آخر .
وهذه الفرصة الجديدة التي وجدها البائعون بخدمتهم ـ فرصة تأخير الشراء عن البيع ـ غيّرت الطابع العام للبيوع والمبادلات . فبينما كان البيع في عصر المقايضة يُستهدف منه دائماً شراء سلعة من السلع التي يحتاجها البائع ، أصبح للبيع في عصر النقد هدفٌ جديد . فالبائع يتخلّص من سلعته في المبادلة لا ليظفر بسلعة أخرى ، بل ليحصل على مزيد من النقد بوصفه الوكيل العام عن السلع الذي يجعل بإمكانه شراء أيّ سلعة شاء في كلّ حين .
وهكذا تحوّل البيع للشراء إلى البيع لامتصاص النقود ، ونشأت عن ذلك ظاهرة اكتناز المال وتجميده مجسداً في تلك النقود ؛ لأنّ النقد ـ ونعني بوجه خاص النقود المعدنية والورقية ـ يمتاز على سائر السلع ؛ فإنّ أيّة سلعة أخرى لم يكن يجدي اكتنازها ؛ لأنّ أكثر السلع تنقص قيمتها على مرّ الزمن وقد يتطلّب الاحتفاظ بها وبجدتها إلى نفقات عديدة ، ومن ناحية أخرى : قد لا يتيّسر لمالك تلك السلعة المكتنزة الظفر بما يطلبه المكتنز من سلع أخرى في وقت الحاجة ، فلا يكون في اكتنازها ضمان الحصول على شتى الطلبات في كلّ حين .
وعلى العكس من ذلك كلّه النقد ؛ فإنّه قابل للبقاء والادّخار ، ولا يكلّف اكتنازه شيئاً من النفقات ، كما أنّه بوصفه الوكيل العام عن السلع يضمن للمكتنز قدرته على شراء أيّ سلعة شاء في كلّ وقت .
وهكذا توفّرت دواعي الاكتناز لدى المجتمعات التي بدأت المبادلة فيها تقوم على أساس النقود ، وعلى أساس النقود الذهبية والفضية بوجه خاص .
ونجم عن ذلك : أن تخلّت المبادلة عن وظيفتها الصالحة في الحياة