اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٣٣ - 2ـ مبدأ الحرّية الاقتصادية في نطاق محدود
عالية فوق طاقاتها وإمكاناتها . وإنّما يقيم مخطّطه الاقتصادي دائماً على أساس النظرة الواقعية للإنسان ، ويتوخى الغايات الواقعية التي تتّفق مع تلك النظرة . فقد يلذّ لاقتصادٍ خياليٍّ كالشيوعية مثلاً أن يتبنّى غاية غير واقعية ، ويرمي إلى تحقيق إنسانية جديدة طاهرة من كلّ نوازع الأنانية ، قادرة على توزيع الأعمال والأموال بينها دون حاجة إلى أداة حكومية تباشر التوزيع ، سليمة من كلّ ألوان الاختلاف أو الصراع . غير أنّ هذا لا يتّفق مع طبيعة التشريع الإسلامي ، وما اتصف به من واقعية في غاياته وأهدافه .
وهو ـ إلى هذا ـ واقعيّ في طريقته أيضاً ، فكما يستهدف غايات واقعية ممكنة التحقيق ، كذلك يضمن تحقيق هذه الغايات ضماناً واقعياً مادّياً ، ولا يكتفي بضمانات النصح والتوجيه التي يقدّمها الوعّاظ والمرشدون ؛ لأنّه يريد أن يخرج تلك الأهداف إلى حيّز التنفيذ ، فلا يقنع بإيكالها إلى رحمة الصدف والتقادير . فحين يستهدف مثلاً إيجاد التكافل العام في المجتمع لا يتوسّل إليه بأساليب التوجيه واستثارة العواطف فحسب ، وإنّما يسنده بضمان تشريعي يجعله ضروري التحقيق على كلّ حال .
والصفة الثانية للاقتصاد الإسلامي وهي الصفة الأخلاقية ، تعني ـ من ناحية الغاية ـ : أنّ الإسلام لا يستمدّ غاياته التي يسعى إلى تحقيقها في حياة المجتمع الاقتصادية من ظروف مادّية وشروط طبيعة مستقلّة عن الإنسان نفسه ، كما تستوحي الماركسية غاياتها من وضع القوى المنتجة وظروفها ، وإنّما ينظر إلى تلك الغايات بوصفها معبّرة عن قيم عملية ضرورية التحقيق من ناحية خُلقية . فحين يقرّر ضمان حياة العامل مثلاً ، لا يؤمن بأنّ هذا الضمان الاجتماعي الذي وضعه نابع من الظروف المادّية للإنتاج مثلاً ، وإنّما يعتبره ممثّلاً لقيمة عملية يجب تحقيقها ، كما سندرس ذلك بصورة مفصلة خلال بحوث هذا الفصل.