اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٢٦ - 2ـ مبدأ الحرّية الاقتصادية في نطاق محدود
الشخصية الإسلامية ضمنها ، حين يعطي فرصةَ مباشرةِ واقع الحياة وصنع التأريخ على أساسه .. إنّ لتلك الإطارات قوّتها المعنوية الهائلة ، وتأثيرها الكبير في التحديد ذاتياً وطبيعياً من الحرّية الممنوحة لأفراد المجتمع الإسلامي ، وتوجيهها توجيهاً مهذّباً صالحاً ، دون أن يشعر الأفراد بسلب شيء من حرّيتهم ؛ لأنّ التحديد نبع من واقعهم الروحي والفكري ، فلا يجدون فيه حدّاً لحرّياتهم . ولذلك لم يكن التحديد الذاتي تحديداً للحرّية في الحقيقة ، وإنّما هو عملية إنشاء للمحتوى الداخلي للإنسان الحرّ ، إنشاءً معنوياً صالحاً ، حيث تؤدّي الحرّية في ظلّه رسالتها الصحيحة .
وقد كان لهذا التحديد الذاتي نتائجه الرائعة وآثاره الكبيرة في تكوين طبيعة المجتمع الإسلامي ومزاجه العام ، وبالرغم من أنّ التجربة الإسلامية الكاملة كانت قصيرة الأمد فقد آتت ثمارها ، وفجّرت في النفس البشرية إمكاناتها المثالية العالية ، ومنحتها رصيداً روحياً زاخراً بمشاعر العدل والخير والإحسان ، ولو قدّر لتلك التجربة أن تستمر وتمتدّ في عمر الإنسانية أكثر ممّا امتدّت في شوطها التأريخي القصير لاستطاعت أن تبرهن على كفاءة الإنسانية لخلافة الأرض ، ولصنعت عالماً جديداً زاخراً بمشاعر العدل والرحمة ، واجتثت من النفس البشرية أكثر ما يمكن استئصاله من عناصر الشر ودوافع الظلم والفساد .
وناهيك من نتائج التحديد الذاتي أنّه ظل وحده هو الضامن الأساسي لأعمال البرّ والخير في مجتمع المسلمين ، منذ خسر الإسلام تجربته للحياة . وفقد قيادته السياسية وإمامته الاجتماعية ، وبالرغم من ابتعاد المسلمين عن روح تلك التجربة والقيادة ، بعداً زمنياً امتدّ قروناً عديدة ، وبعداً روحياً يقدّر بانخفاض مستوياتهم الفكرية والنفسية ، واعتيادهم على ألوان أخرى للحياة الاجتماعية والسياسية .. بالرغم من ذلك كلّه ، فقد كان للتحديد الذاتي الذي وضع الإسلام