اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٠٨ - الحرّية الطبيعية والحرّية الاجتماعية
حدود تلك الميول والشهوات ، لم يعد لها في حقل النشاط الحيوي للإنسان تلك المنزلة ؛ لأنّ الإنسان رُكّب تركيباً نفسيّاً وعضوياً خاصاً يمكّنه من قهر تلك الشهوات ، أو التحديد من مفعولها . فهو حرّ حتى في الانسياق مع تلك الشهوات أو معاكستها .
وهذه الحرّية الطبيعية التي يتمتّع بها الإنسان هي التي تعتبر بحقّ إحدى المقوّمات الجوهرية للإنسانية ؛ لأنها تعبير عن الطاقة الحيوية فيها . فالإنسانية بدون هذه الحرّية لفظ بدون معنى .
ومن الواضح أنّ الحرّية بهذا المعنى خارجة عن نطاق البحث المذهبي ، وليس لها أيّ طابع مذهبي ؛ لأنّها منحة الله للإنسان وليست منحة مذهب معيّن دون مذهب ، لتدرس على أساس مذهبي .
وأمّا الحرّية التي تحمل الطابع المذهبي ، وتميّز المذهب الرأسمالي وتحتل القاعدة الرئيسية في كيانه ، فهي الحرّية الاجتماعية ، أي : الحرّية التي يكسبها الفرد من المجتمع لا من الطبيعة . فإنّ هذه الحرّية هي التي تتّصل بالوجود الاجتماعي للإنسان وتدخل ضمن نطاق الدراسات المذهبية والاجتماعية .
وإذا استطعنا أن نميّز بوضوح بين الحرّية الطبيعية والحرّية الاجتماعية أمكننا أن ندرك مدى الخطأ في منح الحرّية الاجتماعية خصائص الحرّية الطبيعية ، وفي القول : بأنّ الحرّية التي يوفّرها المذهب الرأسمالي مقوّم جوهري للإنسانية وعنصر حيوي في كيانها ؛ فإنّ هذا القول يرتكز على أساس عدم التمييز بين الحرّية الطبيعية بوصفها مقوّماً جوهرياً للوجود الإنساني ، والحرّية الاجتماعية بوصفها مسألة اجتماعية يجب أن يدرس مدى كفاءتها لبناء مجتمع سعيد ، وانسجامها مع القِيم الخُلُقية التي نؤمن بها .