اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٧٢ - 4 ـ النظـرية بتفاصيـلها
التأريخ المأثور ؟
وقد حاولت الماركسية تذليل هذه الصعوبة وتقديم الدليل العلمي على صحّة فهمها لتلك المرحلة المغمورة من حياة المجتمع البشري ، بالاستناد إلى ملاحظة عدّة مجتمعات معاصرة ، حكمت عليها الماركسية بالبدائية واعتبرتها مادّة علمية للبحث عمّا قبل عصر التأريخ ؛ بوصفها ممثّلة للطفولة الاجتماعية ، ومعبّرة عن نفس الحالة البدائية التي مرّت بها المجتمعات البشرية بصورة عامة . ولمّا كانت معلومات الماركسية عن هذا المجتمعات البدائية المعاصرة تؤكّد أنّ الشيوعية البدائية هي الحالة السائدة فيها فيجب ـ إذن ـ أن تكون هي المرحلة الأولى لكلّ المجتمعات البدائية في ظلمات التأريخ . وبذلك خيّل للماركسية أنّها وضعت يدها على الدليل المادّي المحسوس .
ولكن يجب أن نعلم ـ قبل كلّ شيء ـ أنّ الماركسية لم تتلقّ معلوماتها عن تلك المجتمعات البدائية المعاصرة بصورة مباشرة ، وإنّما حصلت عليها عن طريق الأفراد الذين اتّفق لهم الذهاب إلى تلك المجتمعات والتعرّف على خصائصها . وليس هذا فقط ، بل إنّها لم تأخذ بعين الاعتبار إلاّ المعلومات التي تتّفق مع نظريّتها العامّة واتّهمت كلّ المعلومات التي تتعارض معها بالتحريف والتزوير ، وبهذا كانت البحوث الماركسية تتّجه إلى انتقاء المعلومات النافعة للنظرية ، وتحكيم النظرية نفسها في تقدير قيمة المعلومات والأخبار التي تُقدَّم عن تلك المجتمعات ، بدلاً عن تحكيم المعلومات في النظرية وامتحان النظرية في ضوئها . ونستمع بهذه المناسبة إلى كاتب ماركسي كبير يقول :
( وبالقدر الذي نستطيع أن نتوغّل في الماضي نجد أنّ الإنسان كان يعيش في مجتمعات . وممّا يسهّل دراسة المجتمعات البدائية القديمة أنّه ما زالت تسود ظروف