اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٣ - 2- الفكر والماركسية
ويمكننا أن نأخذ مثالين من التأريخ ، من تأريخ المادّية على الخصوص :
أحدهما : ( هرقليطس ) أكبر فيلسوف للمادّية في العالم القديم .
والآخر : ( هوبز ) الذي يعتبر من أقطاب المادّية في الفلسفة الحديثة .
أمّا ( هرقليطس ) فهو أبعد إنسان عن الروح الشعبية التي تسلكها الماركسية في جوهر الفلسفة المادّية . فقد كان سليل أسرة أرستقراطية نبيلة لها المنزلة الأولى بين أهل المدينة ، وقد شاء الحظّ أن يندرج في مناصبها الكبيرة حتى أصبح حاكم المدينة المسيطر . وقد كان يعبّر دائماً وفي كلّ تصرّفاته عن نزعته الأرستقراطية ، وترفّعه على الشعب واستهانته به ، حتى كان يصفه تارة بقوله : ( أنعام تؤثر الكلأ على الذهب ) ، وأخرى بقوله : ( كلاب تنبح كلّ من لا تعرفه ) [١] .
هكذا تجسّدت في العالم القديم المادّية الديالكتيكية في شخص يمكن أن يوصف بكلّ شيءٍ إلاّ بالروح الديمقراطية ومساندة الحكم الشعبي . بينما كان إمام المثالية في دنيا اليونان ( أفلاطون ) يدعو إلى فكرة ثورية ؟ تتجسّد في نظام شيوعي مطلق ، ويشجب الملكية الخاصة بكلّ ألوانها . فأيّ الفيلسوفين كان أقرب للثورية والقيم التحرّرية في رأي الماركسيّة ؟!
و( هوبز ) الذي حمل في مطلع عهد النهضة لواء فلسفة مادّية خالصة معارضاً بها ميتافيزيقية ( ديكارت ) ... لم يكن أحسن حالاً من ( هرقليطس ) فقد كان معلّماً لأمير من الأسرة المالكة في إنكلترا ـ هو الذي اعتلى عرش إنجلترا بعد ذلك باسم : ( شارل الثاني عام ١٦٦٠م ) ـ وبحكم علاقته هذه ناهض الثورة الشعبية الكبرى التي فجّرها الشعب الإنكليزي بقيادة ( كرومويل ) حتى إذا دكّت
[١] قصّة الفلسفة اليونانية : ٣٧ ، وانظر قصّة الحضارة ٦ : ٢٦٣ .