اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٣٥ - 2- الفكر والماركسية
الأعضاء الحاجات ، وتحدث الحاجات الأعضاء ... فهل استقى ( ديدرو ) هذا المفهوم الفلسفي للتطوّر من الانقلابات الثورية في الأدوات المنتجة التي لم تكن قد تعاقبت بعد على مسرح الإنتاج ؟!
صحيح أنّ التغييرات الجذرية على الصعيد الإنتاجي ، كانت تهيّئ الأذهان إلى حدٍّ ما لقبول فكرة التطوّر الفلسفي ، وتطبيقها على كلّ مرافق الكون ، ولكنّ هذا لا يعني السببية الضرورية ، وربط التطوّر الفلسفي بتطوّر الإنتاج ربطاً حتمياً لا يأذن له بالتقدّم أو التأخّر ، وإلا فكيف سمحت هذه الحتمية المزعومة لـ ( ديدرو ) أن يسبق تطوّر الإنتاج ؟! بل كيف سمحت لفلاسفة عاشوا قبل ذلك بأكثر من ألفي سنة أن يجعلوا من التطوّر قاعدة فلسفية لهم ؟!
فهذا هو الفيلسوف اليوناني( أناكسِمَنْدَر ) ـ الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد [١] ـ جاء بمفهوم فلسفي عن التطوّر لا يختلف في جوهره عن مفاهيم التطوّر في عصر الإنتاج الرأسمالي . فقد قال : إنّ الكائنات كانت أوّل أمرها منحطّة، ثمّ سارت في طريق التطوّر درجات أعلى فأعلى ، بما فطر فيها من دافع غريزي يدفعها إلى الملاءمة بين أنفسها والبيئة الخارجية . فالإنسان ـ مثلاً ـ كان حيواناً يعيش في الماء ، فلما انحسر الماء اضطر هذا الحيوان المائي إلى ملاءمة البيئة ، فاكتسب على مر الزمن أعضاء صالحة للحركة على الأرض اليابسة . وهكذا حتى أصبح إنساناً [٢] .
وفيلسوف آخر كانت له مساهمة كبيرة في مفاهيم التطوّر الفلسفي ، حتى اعتبرته الماركسية شارحاً رائعاً لجوهر الديالكتيك ورأيه في التطوّر، وهو
[١] ولد سنة ٦١١ ق.م ، وتوفّي سنة ٥٤٧ ق.م تقريباً ( المؤلّف (قدّس سرّه)) . انظر المورد ١ : ١٠٥ .
[٢] قصّة الحضارة ٦ : ٢٥٣ ـ ٢٥٥ .