اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١١٨ - 3 ـ النظرية بما هي عامّة
يتحرّروا من قوانين التأريخ وأن يسيطروا على تأثيرها ؛ لأنّهم دائماً يعبّرون عن جزء من العملية التأريخية التي تتحكّم فيها تلك القوانين .
فمن الخطأ ـ إذن ـ أن تقول الماركسية شيئاً عن السيطرة على قوانين المجتمع ، كما أنّ من الخطأ أيضاً أن توجّه إليها المناقشة السابقة التي ترمي إلى اعتبار النشاط العملي لغواً لا مبرّر له ؛ ما دمنا عرفنا أن النشاط العملي بما فيه الثورة جزء من قوانين التأريخ .
ولنأخذ الآن المناقشة الثانية : إنّ هذه المناقشة تسرد ـ عادة ـ قائمة من الدوافع التي لا تمتّ إلى الاقتصاد بصلة لتفنيد القول بالعامل الاقتصادي كعامل رئيسي . وليست هذه المناقشة بأدنى إلى التوفيق من المناقشة الأولى ؛ فإنّ الماركسية لا تعني : أنّ العامل الاقتصادي هو الدافع الشعوري لكلّ أعمال الإنسان على مرّ التأريخ ، وإنّما ترتكز على القول : بأنّه هو القوة التي تعبّر عن نفسها في وعي الناس بمختلف التعبيرات . فالسلوك الواعي للإنسان يصدر عن غايات ودوافع إيديولوجية مختلفة قد لا تمتّ إلى الاقتصاد بصلة ، إلاّ أنّها في الحقيقة تعبيرات سطحية عن قوّة أعمق لأنّها ليست إلاّ أدوات يستخدمها العامل الاقتصادي يحرك بها الناس في الاتجاه التأريخي المحتوم .
ويجب أن نتجاوز بهذا الصدد عن بعض النصوص الماركسية التي لم تقتصر على هذا القول ، بل جنحت إلى التأكيد على اعتبار الاقتصاد غاية عامة للنشاط الاجتماعي وليس قوّة محرّكة من الخلف فحسب . فقد كتب أنجلز يقول :
( إن القوّة ليست سوى وسيلة ، وإنّ الغاية هي المنفعة الاقتصادية . ولمّا كانت الغاية أكثر جوهريةً من الوسيلة التي تستخدم لضمانها فإنّ الجانب الاقتصادي من المسألة هو أكثر جوهرية في التأريخ من الجانب السياسي . في جميع قضايا