اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠٤ - 3 ـ النظرية بما هي عامّة
( التعداد البسيط ) .
ومن الواضح أنّ طريقة التعداد البسيط هذه لا تبرهن علمياً على أنّ المصلحة الاقتصادية الطبقية هي السبب الأساسي الوحيد لظهور الدولة ؛ إذ من الجائز أن يكون للعوامل الأخرى أثرها الخاص في تكوين الدولة ، وحيث إنّ الباحث لا يستطيع أن يغيّر الواقع التأريخي ـ كما يغيّر الفيزيائي الظواهر الطبيعية بتجاربه ـ فهو لا يتمكّن من إفراز وعزل سائر العوامل الأخرى عن واقع المجتمع ليدرس نتيجة هذا العزل ، ويتبيّن : ما إذا كانت الدولة ـ كظاهرة اجتماعية ـ ستزول بعزل تلك العوامل أو لا .
ويُستخلص ممّا سبق : أنّ البحث التأريخي يختلف عادة عن البحوث العلمية الطبيعية من ناحية المادة التي يقوم على أساسها الاستنتاج أوّلاً ، ومن ناحية الدليل الذي يدعم ذلك الاستنتاج ثانياً . وإذا استبعدنا الدليل التجريبي الدقيق عن نطاق البحث التأريخي لم يبقَ لدى مفسّري التأريخ إلاّ الملاحظة المنظّمة التي تحاول أن تستوعب أكبر مقدار ممكن من أحداث التأريخ وظواهره ، حيث يأخذها الباحث التأريخي كما هي ، ويحاول أن يفسّرها ويضع لها مفاهيمها العامة ، على طريقة التعداد البسيط .
وعلى هذا الأساس نعرف : أنّ الماركسية لم تكن تملك ـ حين وضعت مفهومها الخاص عن التأريخ ـ سنداً علمياً لها سوى الملاحظة التي رأتها الماركسية كافية للتدليل على وجهة نظرها المعيّنة إلى التأريخ . وأكثر من هذا ، أنّها زعمت : أنّ الملاحظة المحدودة في نطاق تأريخي ضيّق تكفي وحدها لاستكشاف قوانين التأريخ كلّها ، واليقين العلمي بها . فقد قال أنجلز :
( ولكن فيما كان البحث عن هذه الأسباب المحرّكة في التأريخ مستحيلاً تقريباً في سائر المراحل السابقة ؛