اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠٢ - 3 ـ النظرية بما هي عامّة
(الظواهر) التي يملكها الباحث ، ويقيم عليها تفسيره واستنتاجه .
ولا يقف اختلافهما عند هذا الحد ؛ فإنّهما كما يختلفان من ناحية المادة ، كذلك يوجد سبب آخر لاختلافهما من ناحية الدليل الذي يمكن للباحث استخدامه في سبيل تدعيم هذا التفسير العلمي أو ذاك .
فإنّ الباحث التأريخي حين يحصل على مجموعة من الظواهر والأحداث التأريخية لا يملك تجاهها تلك الإمكانيات التي يملكها الفيزيائي ـ مثلاً ـ تجاه الذرة وظواهرها ، ونواتها وكهاربها وإشعاعاتها ؛ لأنّ الباحث التأريخي مضطر لأخذ الظواهر والأحداث التأريخية كما هي ، ولا يمكنه أن يطوّر أو يغيّر شيئاً منها عن طريق التجربة . وأمّا العالم الفيزيائي فهو يستطيع أن يجري تجاربه المختلفة على المادة التي يعالجها ، ويستبعد منها ما يشاء ، ويضمّ إليها ما يشاء . وحتى في المجال الذي لا تخضع المادة المدروسة فيه للتغيير ، كعلم الفلك ، يمكن للعالم الفلكي أن يغيّر من علاقاته بتلك المادة بواسطة التلسكوب ، ومن موقعه واتجاهاته .
وعجز الباحث التأريخي عن القيام بتجارب على الظواهر التأريخية والاجتماعية يعني عدم تمكّنه من تقديم دليل تجريبي على نظرياته التي يفسّر بها التأريخ ، ويستكشف أسراره .
فلا يستطيع ـ مثلاً ـ لدى محاولة الكشف عن العامل الأساسي لظاهرة تأريخية معيّنة ـ أن يستعمل الأساليب العلمية الأساسية التي يقرّرها المنطق التجريبي ، ويستعملها العلماء الطبيعيون ، كطريقتي : الاتفاق والاختلاف ، الطريقتين الرئيسيتين في الاستدلال التجريبي ؛ لأن هاتين الطريقتين تتوقّفان كلاهما على إضافة عامل بأسره أو حذف عامل بأسره لنرى مدى ارتباطه مع عامل آخر . فلكي يثبت علمياً أن ( ب ) هي سبب ( أ ) يجمع بينهما في ظروف مختلفة ، وهذه