شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٩٤
قيل له: لما كانتا مستعملتين اسمين و حرفين، و كان الأصل فيهما:" منذ" و" مذ" مخففة، غلبوا الاسمية على" مذ"، بسبب الحذف الذي لحقها؛ لأن الحذف إنما حقه أن يكون في الأسماء، و هي بذلك أولى لتصرفها و تمكنها و لحاق التنوين بها في تصريفها.
فإن قال قائل: لأية علة ضمت منذ؟ و ما كان أصلها في البناء؟ قيل له: كان أصلها أن تكون الذال منها ساكنة اسما كانت أو حرفا. أما إذا كانت حرفا، فالحروف حقها السكون، و إذا كانت اسما فهي اسم في معنى حرف و ينوب عنه، فوجب بناؤها على السكون، ثم التقى فيها ساكنان: النون و الذال، فضمت الذال اتباعا للميم؛ لأن ما بينها حرف ساكن، و هو نون، و النون خفية جدا إذا كانت ساكنة؛ لأنها غنّة في الخيشوم، فلو بنوها على حد التقاء الساكنين، لكانوا قد خرجوا من ضمة إلى كسرة؛ و ذلك قليل في كلامهم.
و مثله في الإتباع: قالوا:" منتن" و" منتن". و منهم من يقول:" منتن" فمن قال:
" منتن" أراد:" منتن" ثم اتبع التاء الميم و ضمها؛ لأن الذي بينهما نون خفية، و ليست حاجزا قويا. و الذي يقول:" منتن" بكسر الميم و التاء على وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد:" منتن" ثم كسر الميم فأتبعها كسرة التاء. و يجوز أن يكون من:" نتن" لأنه يقال: أنتن و نتن؛ فيكون" مفعل" من ذلك، كما تقول:" منخر". و يجوز أن يكون أصله في هذا الوجه" منتن" و أتبعوا الميم التاء، كما قالوا: منخر و منخر. و يجوز أن يكون:" مفعل" من" نتن" ثم اتبع التاء الميم، فكسر فاعرفه إن شاء اللّه.
قال سيبويه:" و الوقف منها قولهم: من، و هل، و بل، و قد".
قال أبو سعيد: اعلم أن هذه حروف جئن سواكن على ما يجب أن تجيء عليه الحروف.
فأما" من" فإنها تجيء عند سيبويه لثلاثة معان:
لابتداء الغاية، و هو قولك:" سرت من البصرة".
و للتبعيض، كقولك:" يريد زيد من زيد"، و" أخذت من مال عمرو ثلثيه" و تكون زائدة في النفي، كقولك:" ما جاءني من أحد" في معنى؛ ما جاءني أحد. فأما إذا قلت:" ما جاءني من رجل" فإن فيه فائدة و معنى زائدا على قولك:" ما جاءني رجل"؛ و ذلك أنك إذا قلت:" ما جاءني رجل" احتمل أن تكون نافيا لرجل مفرد، و قد جاءك أكثر من رجل،