شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤١٤
تقدمت، فليس قبله معنى يمنعها من جعل المصدر مكانها. ألا ترى أنا نقول:" أن تصوم خير لك"، إنما تريد: الصوم خير لك، و لو جعلنا" الصوم" مكان" أن تصوم" لجاز، و لا يجوز مع" عسى" أن تنقل إلى لفظ المصدر" أن"، فتقول:" عسى زيد الصوم"، مكان" عسى زيد أن يصوم"، فلما أحدثت" عسى" هذا المعنى في" أن" لم تقدم عليها.
قال سيبويه: (و مثل ذلك" ما أدري أ زيدا مررت به أم عمرا" و" ما أبالي أ عبد اللّه لقيت أخاه أم عمرا"؛ لأنه حرف استفهام و هي تلك الألف التي في قولك:" أ زيدا لقيته أم عمرا").
يعني: لأن حرف الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، فإذا كان قبله فعل فهو ملغى، و إنما يقع قبله من الأفعال ما كان من أفعال القلوب نحو: العلم، و الظن، و الشك، و المبالاة؛ و ما كان من أفعال اللسان، نحو: القول، و الإخبار، و الزعم، فإذا ألغي الفعل الذي قبل الاستفهام، صار الاستفهام كأنه مبتدأ، فأجرى على حكمه إذا كان مبتدأ.
قال: (و تقول: أ عبد اللّه ضرب أخوه زيدا، لا يكون إلا الرفع؛ لأن الذي من سبب عبد اللّه مرفوع فاعل، و الذي من مسببه مفعول، فيرفع إذا ارتفع الذي من سببه كما ينتصب إذا انتصب، و يكون المضمر ما يرفع كما أضمرت في الأول ما ينصب، فإنما جعل هذا المضمر بيان ما هو مثله).
يعني: أنه يجوز أن تنصب" عبد اللّه"؛ لأن نصبه يكون من وجهين:
إما أن يكون الفعل الذي بعده واقعا على ضميره، فيضمر فعل ينصبه.
و إما أن يكون الفعل الذي بعده واقعا على سببه فيضمر ما ينصبه على حسب ما قدمنا، و هذه المسألة الفعل فيها واقع من سببه بزيد، فوجب رفع" عبد اللّه" على أحد وجهين:
إما أن يكون بالابتداء، و إما أن يكون بإضمار فعل يرفع، كأنك قلت: ألا بس عبد اللّه زيدا ضرب أخوه زيدا.
و قول سيبويه: (و يكون المضمر ما يرفع، كما أضمرت في الأول ما ينصب).
يحتمل هذين الوجهين: إن شئت قدرت الابتداء، و إن شئت قدرت فعلا، و يكون المضمر بمعنى المقدر. و إنما أضمرت فعلا يرفع" عبد اللّه"، إذ كان سببه فاعلا، كما أضمرت فعلا ينصبه، حيث كان سببه مفعولا في قولك:" أ عبد اللّه ضرب أخاه زيد".