شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٥٤
هذا باب ما عمل عمل الفعل فلم يجر مجراه و لم يتمكّن تمكنه
قال سيبويه: (و ذلك قولك:" ما أحسن عبد اللّه". زعم الخليل أنه بمنزلة قولك:" شيء أحسن عبد اللّه"، و دخله معنى التعجب و هذا تمثيل فلم يتكلم به).
قال أبو سعيد: أعلم أن التعجب من الشيء أن يكون زائدا في معنى ما تعجب منه على غيره نادرا في بابه؛ لأن فيه تفضيلا. و لا يجوز أن يقال" لزيد"، إذا كان في أول مراتب الحسن" ما أحسن زيدا"؛ لأنه لا تفضيل فيه. فإذا قالوا:" ما أحسن زيدا"،" فما" عند سيبويه اسم مبتدأ غير موصولة، و" أحسن" خبر" ما"، و في" أحسن" ضمير من" ما" و هو فاعل" أحسن"؛ لأن" أحسن" فعل، و" زيدا" مفعول" أحسن"، و هو بمنزلة قولك في الإعراب:" زيد أكرم عبد اللّه".
و قد مثّل الخليل" ما" بشيء، كأنك قلت:" شيء أحسن" عبد اللّه، و معنى: أحسن أي حسنه، و أصاره إلى هذا الحسن. و لو قلت:" شيء أحسن عبد اللّه" لم يكن فيه تعجب؛ لأن" شيء" اسم غير مبهم، و" ما" مبهمة، و إنما وضعت للتعجب من قبل إبهامها؛ لأن المتعجب منظم للأمر، و كأنه إذا قال:" ما أحسن عبد اللّه"، فقد جعل الأشياء التي يقع بها الحسن متكاملة في عبد اللّه، فلا يصلح ذلك إلا بلفظ مبهم. و لو قال:
" شيء أحسن عبد اللّه"، كان قد قصر حسنه على جهة دون سائر جهان الحسن.
و قد أنكر بعض الناس على الخليل قوله أن:" ما أحسن عبد اللّه" بمنزلة" شيء أحسن عبد اللّه" فقال: يلزمه في هذا أن يكون قولنا:" ما أعظم اللّه" بمنزلة" شيء أعظم اللّه".
و ليس هذا الاعتراض بشيء؛ لأنه يتوجه الجواب عنه من ثلاثة أوجه:
منها: أن يقال: قولنا:" ما أعظم اللّه" بمنزلة شيء أعظم اللّه، و ذلك الشيء يعني به من يعظمه من عباده؛ لأن عباده يعظمونه.
و الوجه الثاني: أن يعني بذلك الشيء، ما دل خلقه المعتبرين على أنه عظيم، من عجائب خلق السموات و الأرض و ما بينهما من الأفلاك و الكواكب و الجبال و البحار و الحيوان و النبات.
و الوجه الثالث: أن يقال: شيء أعظم اللّه تعالى، و يرجع بذلك الشيء إليه فيكون بنفسه عظيما، لا بشيء جعله عظيما، فرقا بينه و بين خلقه؛ لأن العظيم من خلقه قد