شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٥٣
السوق، أو في المسجد". و لم يكن في واحد منها، قال المسؤول" لا" و يكون مجيبا، و يكون صادقا في ذلك، و ليس عليه أن يجيب عن مكانه و إن كان عالما به لأنه لم يسأل إلا عن كونه في هذه الأمكنة فقط، و لو ذهب السائل فعدد الأمكنة مكانا مكانا في الاستفهام قصّر عن استيعابها و طال عليه بلوغ غايتها، فأتى بلفظة تشتمل على الأمكنة كلها و تقتضي الجواب عن كل واحد منها، و تتضمن معنى الاستفهام، و هي" أين" و وجب أن تبنى على السكون لوقوعها موقع حروف الاستفهام، إلا أنه التقى في آخره ساكنان، الأول منهما ياء فآثروا الفتح من أجل الياء التي قبلها و لأنها كثيرة الدّور في كلامهم، و لم يحملوه على قياس ما يجب في التقاء الساكنين من الكسر استثقالا للياء و الكسرة بعدها؛ لأن الكسرة كبعض الياء ألا ترى أنك إذا أشبعت الضمة صارت واوا، و إذا أشبعت الكسرة صارت ياء، و إذا أشبعت الفتحة صارت ألفا.
و قد اختلف الناس في الحركات و الحروف المأخوذة منها الحركات؛ فقالت طائفة إن الحروف مركبة من الحركات، كأنهم جعلوا الواو مركبة من ضمة مشبعة و كذلك أختاها، و قالت طائفة: إن الحركات مأخوذة من الحروف، قالوا: و الدليل على ذلك أنا رأينا هذه الحروف الثلاث لها مخارج كمخارج سائر الحروف، فعلمنا أنها غير مركبة من شيء سواها، و الحركات مأخوذة منها، و يدل على أن الحركات مأخوذة منها أنا إذا أردنا تحريك حرف بإحدى الحركات الثلاث، أملنا ذلك الحرف إلى مخرج الحرف المأخوذة منه تلك الحركة.
فإن قال قائل: و لم زعمتم أن التقاء الساكنين يوجب كسر أحدهما، دون أن يوجب ضمه أو فتحه؟ قيل له: في ذلك علتان:
إحداهما: أنا رأينا الكسرة لا تكون إعرابا إلا باقتران التنوين بها، أو ما يقوم مقامه، و قد تكون الضمة و الفتحة إعرابين فيما لا ينصرف بغير تنوين يصحبهما. و لا شيء يصحبهما يقوم مقام التنوين، و إذا اضطررنا إلى تحريك الحرف حركناه بحركة لا يوهم إنها إعراب و هي الكسرة.
و العلة الثانية: أنا رأينا الجر مختصا بالأسماء، و لا يكون في غيرها، و رأينا الجزم الذي هو سكون مختصا به الأفعال دون غيرها. فقد صار كل واحد منهما في لزوم بابه و الاختصاص به مثل صاحبه، فإذا اضطررنا إلى تحريك الساكن منهما حركناه