شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٥٧
حرف الجزاء فيه، و ذلك أنك إذا قلت: أين زيد آته، فكأنك قلت: أين زيد إن أعرف مكانه آته، ففي أيّ مكان كان وجب عليك إتيانه بعد معرفته، و كذلك إذا قلت: أين تكن أكن، كأنك قلت: إن تكن في السوق أكن فيها، أو تكن في مكان غيرها أكن فيه، فلمّا كانت مشتملة على الأسماء التي تقع بعد حرف المجازاة جاز أن يجازي بها، إذا كانت مساوية لها. و أما كيف فلا يقع إلا على نكرة، و لا يكون جوابها إلا نكرة، فخالفت حروف الجزاء فيما يقع عليه فلم يجاز بها لقصورها عن بلوغ معاني حروف الجزاء، فهذه علة أبي العباس.
و الجواب الثاني: أنك إذا قلت:" أين يكن زيد أكن"، فقد شرطت على نفسك أنك تساويه في مكانه، و تحل في محله، و هذا معنى ممكن غير متعذر وقوع الشرط عليه، و إذا قلت:" كيف تكن أكن"، فقد ضمنت أن تكون عن أحواله و صفاته كلها، و هذا متعذر وقوعه، و بعيد اتفاق شيئين من جميع جهاتهما في جميع أوصافهما.
قال سيبويه:" و الكسر فيها نحو ألاء و حذار و بداد".
قال أبو سعيد: يعني الكسر في الأسماء المبنية، فأما ألاء: ففيه ثلاث لغات أشهرها ألاء ممدود مكسور على مثال غراب، و ألى مقصور على وزن هدى و قد زادوا فيه هؤلاء.
فإن قال قائل: لم وجب الكسر في ألاء؟ قيل له: في ذلك وجهان: أحدهما أنه إشارة إلى ما بحضرتك مادام حاضرا فإذا زال لم يسمّ بذلك، و الأسماء موضوعة للزوم مسمياتها، و لما كان لهذا غير لازم لما وضع له صار بمنزلة المضمر الذي يعتقب الذكر إذا جرى و لا يؤتى به قبل ذلك، فهو اسم المسمى في حال دون حال، فلما وجب بناء المضمر وجب بناء المبهم لذلك.
فإن قال قائل: فأنت إذا قلت متحرك و ساكن و آكل و شارب، فإنما يقع هذا الاسم عليه في حال أكله و شربه و حركته و سكونه، فإذا زال عن ذلك لم يسم به، فكذلك المشار إليه يسمى بأسماء الإشارة ما دام حاضرا فإذا زال لم يسم بها، فلم بال أسماء الإشارة و فيها ما في المتحرك و الساكن من زوال التسمية عنه إذا زال عن الفعل؟ قيل له: الفصل بينهما أن المتحرك و الساكن اسمهما لازم لهما في كل أحد حاضر و غائب، و المشار إليه لا يجوز أن يقول له" هذا" إلا من كان حاضرا، و من غاب عنه لم تسمه بذا، فعلمنا أن هذا الاسم غير لازم له فصار بمنزلة الضمير الذي يضمره من ذكر الاسم إذا ذكر عنده و لا
شرح كتاب سيبويه، ج١، ص: ٥٨
يسميه به غيره.
و وجه ثان: أن الإشارة مبهمة واقعة على كل شيء من حيوان و جماد و إنسان فوجب أن سكن آخر" أولاء"، فالتقى فيه ساكنان، فكسر الثاني منهما لامتناع كسر الأول. فإن قال قائل: و لم وجب بناء هذه الأسماء لمشاكلة الضمير؟
قيل له: إنما وجب بناؤها و بناء الضمير معها لمشاكلتها لحروف المعاني؛ لأنه لا شيء إلا و حروف المعاني داخلة عليه غير ممتنعة في شيء دون شيء، فلما كان الضمير و الإشارة داخلين على الأشياء كلها لدخول الحروف عليها، وجب بناؤها.
فإن قال قائل: فأنت قد تقول:" شيء" فيكون واقعا على الأشياء كلها؛ فهذا وجب بناؤه لوقوعها على الأشياء كلها.
قيل له: الجواب عن ذلك أن شيئا هو اسم المسمى لازم له في أحواله كلها، و الكناية و الإشارة و الحروف هي أعراض تعرض في الأشياء كلها، و ليس شيء منها إلا يزول فافترق المعنيان و تباين الحكمان، و صار" شيء" للزومه ما سمى به و إن كان عاما كلزوم رجل و فرس و سائر الأشياء المنكورة لما سمي بهن و تصرف في وجوه الإعراب كتصرف الأشياء المنكورة، و أما من قصر فإنه بناء لمثل العلة التي ذكرنا إلا أنه لم يلتق في آخره ساكنان.
و أما من قال:" هؤلاء"، فإنه كان الأصل: هاؤلاء، فها للتنبيه، و أولاء للإشارة، و كثر في كلامهم حتى صار ككلمة واحدة، فخففوه، و قالوا هؤلاء، قال الشاعر:
تجلّد لا يقل هؤلاء هذا
بكى لما بكى ألما و غيظا