شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٨٧
السكون و أقرب من المبني الساكن إليه ما كان مبنيا على حركة؛ و كذلك فعل الأمر الذي هو مبني على السكون أبعد الأشياء من الأفعال المضارعة المعربة، و أقرب منه إليها الفعل الماضي الذي هو مبني على حركة.
فصارت الأفعال ثلاث مراتب: الأفعال المضارعة المعربة، و بعدها الفعل الماضي المبني على الفتح، و بعد ذلك كله فعل الأمر المبني على السكون، و الأسماء ثلاث مراتب أيضا: فأولها المعربة نحو زيد و عمرو و كل اسم معرب، و بعدها الأسماء المبنية على حركة كقولك: يا زيد و يا حكم و جئتك أوّل، و بعد ذلك الأسماء المبنية على السكون كقولك:
من، و كم، و إذ، فأبعد الأفعال من الأفعال المضارعة فعل الأمر، و أقربها إليها الفعل الماضي، و أبعد الأسماء من الأسماء المتمكنة ما كان مبنيا على السكون نحو كم و إذ، و أقر بها إليها يا حكم و أبدأ بهذا أوّل، و كل بناء من الفعل يؤمر به فحكمه أن يكون موقوفا و إن اختلفت أمثلته كقولك: انطلق، استغفر، و ما أشبه ذلك، فاعرفه إن شاء اللّه تعالى.
و قال سيبويه: و الفتح في الحروف التي ليست إلا لمعنى و ليست بأفعال و لا أسماء، قولهم:" سوف" و" ثمّ".
قال أبو سعيد: فإن قال قائل: و لم فتح الفاء و الميم في" سوف" و" ثم"؟ قيل له: إنما كان من حكمهما أن يكونا ساكنين، إلا أنه التقى ساكنان في آخر الحرفين، و هما الواو و الفاء في" سوف" و الميم الأولى و الثانية في" ثم" و كانت الفتحة أخف، لأن الفاء في" سوف" قبلها واو، فكرهوا كسرها للواو قبلها، و الميم الأخيرة في" ثم" قد أدغم فيها ميم أخرى و قبلها ضمة، فكرهوا كسرها للتضعيف فيها، و الضمة قبلها.
فإن قال قائل: فهلا أجزت: و" ثمّ"، و" ثمّ" و" ثمّ"، كما تقول:" ردّ" و" ردّ" و" ردّ"، كقول جرير:
فغضّ الطّرف إنك من نمير
فلا كعبا بلغت و لا كلابا