شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٨٦
ثم فسر ذلك فقال:" فأما المستقيم الحسن، فقولك، أتيتك أمس، و سآتيك غدا".
و هذا كما قال؛ لأن ظاهره مستقيم اللفظ، و الإعراب غير دالّ على كذب قائله، و كذلك كل كلام تكلّم به متكلّم، فأمكن أن يكون على ما قال، و لم يكن في لفظه خلل من جهة اللغة و النحو، فهو كلام مستقيم في الظاهر، و قد تبيّن في مثل هذا أن قائله كاذب فيما قاله، فتحكم على كلامه أنه كذب غير مستقيم من حيث كان كذبا، إلا أنه مستقيم اللفظ. و يلحق بقوله:" حملت الجبل" و" شربت ماء البحر" و" صعدت السّماء" في أنه كذب، غير أن الذي استعمله سيبويه في المستقيم، أن يكون مستقيم اللّفظ و الإعراب فقط، و عنى بالمستقيم اللفظ و الإعراب أن يكون جائزا في كلام العرب؛ دون أن يكون مختارا.
ثم قال:" و أما المحال فأن تنقض أوّل كلامك، فتقول: أتيتك غدا، و سآتيك أمس".
فهذا كلام محال. و معنى المحال أنه أحيل عن وجهه المستقيم، الذي به يفهم المعنى إذا تكلّم به.
و زعم قوم أن المحال إنما هو اجتماع المتضادّات، كالقيام و القعود، و البياض و السواد، و ما أشبه ذلك؛ قالوا: لأن المحال هو ما لا يصحّ وجوده، و الكلام الفاسد الذي ذكرتموه من قول القائل:" أتيتك غدا"،" و سآتيك أمس" كلام موجود، على ما فيه من الفساد و الخلل، و المحال لا يوجد.
و الذي نقول في هذا، و باللّه التوفيق: إنّ المحال هو الكلام الذي يوجب اجتماع المتضادات، و قولنا إن القعود و القيام اجتماعهما محال، إنما نريد به الكلام الذي يوجب اجتماعهما محال، قد أحيل عن وجهه، ألا ترى أنك تقول لمن تكلّم به: قد أحلت في كلامك، فالكلام هو المحال، كما أن الكلام هو الكذب.
ثم قال:" و أما المستقيم الكذب فقولك: حملت الجبل، و شربت ماء البحر، و نحوه".
و إنما خصّ" حملت الجبل" و" شربت ماء البحر" بالكذب؛ لأن ظاهرهما يدلّ على كذب قائلهما، قبل التصفّح و البحث، و إلا فكل كلام تكلّم به، و كان مخبره على