شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٠٤
فكرهوا أن يقربوا باب لبس".
يعني أن ابتداءك بالنكرة لتحدث عنها غير مستقيم؛ لأن المخاطب ليس ينزّل منزلتك في معرفتها. و حكم الخطاب المفهوم أن يساوي المخاطب المتكلم في معرفة ما خبّره به، فإذا قال:" كان زيد عالما" فقد كان المخاطب عالما بزيد من قبل، و قد عرف علمه الآن، لإخبار المتكلم إياه، فقد ساواه في الأمرين جميعا، و إذا قال:" كان عالم زيدا" فعالم منكور لا يعرفه المخاطب، و لم يجعله خبرا فيفيده، و قد قدّمنا أنّ الأسماء لا تستفاد، فمعرفة المخاطب بعالم غير واقعة. فلم يساو المخاطب المتكلم إذن؛ لأن المنكور في الإخبار لا يعرفه المخاطب، و إن كان المتكلّم قد رآه و عرفه.
فأما قوله:" فكرهوا أن يقربوا باب لبس". يعني أن المخاطب يبقى على جهالته في المنكور الذي جعلته اسما.
ثم قال:" و قد تقول: كان زيد الطّويل منطلقا، إذا خفت التباس الزّيدين".
يعني أنك تنعت الاسم المعروف إذا كان يشاركه في مثل لفظه غيره، بالنعت الذي يميزه من المشاركة في جنسه.
قال:" و تقول: أسفيها كان زيد أم حليما، و أرجلا كان زيد أم صبيّا، تجعلها لزيد؛ لأنه إنما ينبغي أن تسأله عن خبر من هو معروف عنده".
يعني أنّك إذا أدخلت الاستفهام على" كان" لم تغيّرها عن الحكم الذي ذكرناه من جعل المعروف الاسم و المنكور الخبر؛ لأنّك إنما تسأله أيضا عمّن هو معروف عندك و عنده، ليفيدك عنه ما لا تعرفه، فيما تقدّر أنه يعرفه. و ذلك الشيء الذي تسأل إفادته هو الخبر.
قال:" و المعروف هو المبدوء به، و لا يبتدأ بما يكون فيه اللّبس و هو النكرة".
و قد ذكرنا هذا.
ثم قال:" ألا ترى أنّك لو قلت: كان إنسان حليما، و كان رجل منطلقا، كنت تلبس".
يعني أن هذا الكلام إنما يجعل للمخاطب العلم بوقوع علم إنسان لا يعرفه من جملة الناس، و هو قد كان يعلم هذا قبل إخبار هذا المخبر إيّاه، فكرهوا أن يبدؤوا بهذا المنكور بسبب اللبس الذي ذكرناه.