شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٣٨
فإن قال قائل: فلم يجعل النون عوضا؟
قيل له: قد كان ينبغي في القياس أن يكون ذلك العوض أحد حروف المد و اللين و الألف أو الياء أو الواو، غير أنهم لو جعلوا ذلك ألفا أو ياء أو واوا للزمهم قلبها أو تغيير ما قبلها أو حذفه، لأن علامة التثنية في الرفع ألف فلو وقعت الألف بعدها أو الياء أو الواو، انقلبت همزة و كذا حكمه في التصريف ألا تراهم قالوا:" أحمر و حمراء" الهمزة في" حمراء" منقلبة من ألف التأنيث و قالوا" سقاء" و" عطاء" و الأصل" سقاي" و" عطاي". و في حال النصب و الجر لو جعل العوض ألفا تحركت الياء التي هي علامة التثنية و انفتحت؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا. و لو جعلت واوا أو ياء في حال النصب و الجر، قلبت الواو ياء و أدغمت فيها الياء الأولى فتنكبوا هذه الحروف لهذا التغيير الذي ذكرنا.
فلم يكن بعد هذه الحروف حروف أشبه بها و لا أقرب منها من النون، لأنها قد تكون إعرابا في الرفع إذا قلت:" يضربان" و تزاد مع الإعراب علامة للتمكن في قولك:
" زيد" و" فرس" و غير ذلك من مواضعها.
و كسروا هذه النون لالتقاء الساكنين.
فإن قال قائل فإذا زعمتم أن النون عوض من الحركة و التنوين فلم تثبت مع الألف و اللام و لا تنوين معهما؟ فإذا جاز أن يوجد في موضع ليس فيه تنوين فكيف صار عوضا من التنوين و لا تنوين؟
فإن في ذلك جوابين كلاهما مقنع، أحدهما: أن النون دخلت قبل دخول الألف و اللام عوضا من الحركة و التنوين ثم دخلت الألف و اللام للتعريف و الدليل على ذلك أن ما فيه الألف و اللام لا تجوز تثنيته لأنه معرفة بالألف و اللام معين مقصود إليه، فإذا ثنيناه زال التعين و صار من أمة كل واحد منهم له مثل اسمه، ألا ترى أنه لو قيل: ثن زيدا و بقي فيه التعريف لقلت الزيدان، و ذلك أنك قصدت إلى" زيد" الذي هو معرفة بالتسمية، فلما ثنيته قلت:" زيدان" فزالت التسمية و التلقيب الذي كان من أجله معرفة؛ لأنهما لم يسميا معرفة في موضع تلقيبهما و تسميتهما بالزيدين مثنى، ثم أدخلت الألف و اللام عليهما فتعرفا بها لا بالتسمية و التلقيب؛ فصح بما ذكرنا أن النون حين أدخلوها دخلت عوضا من الحركة و التنوين، ثم لم تزلها الألف و اللام، كما أزالت التنوين؛ لأن التنوين ساكن ساقط في
شرح كتاب سيبويه، ج١، ص: ١٣٩
الوقف و النون متحركة ثابتة في الوقف و سلم قولنا من المناقضة و الدخل؛ لأنا نقول إن النون تدخل عوضا من الحركة و التنوين فلم تدخل إلا كذلك.
و الوجه الثاني من الوجهين أن النون لما دخلت عوضا من الحركة و التنوين، ثم رأيناها تسقط في المضاف مع ثبوت أحد بدليها و هي الحركة إذا قلت:" هذان غلاما زيد" فكان المضاف في سقوط النون عنه بمنزلة ما ليس فيه حركة؛ إذ قد سقطت عنه النون التي هي عوض من الحركة و التنوين، فجعلوا الحركة التي في المضاف و لم يعوض منها شيء مع الحركة التي في الألف و اللام بمنزلة حركتين فعوضوا منها النون، و جعلوا سقوط النون في المضاف مع ثبوت أحد بدليها، كثبوت النون في الألف و اللام مع سقوط أحد بدليها للاعتدال.
فإن قال قائل: فهلا أثبتوها مع المضاف و أسقطوها مع الألف و اللام؟
فإن في ذلك ثلاثة أجوبة أحدها: أن المضاف إليه محله محل التنوين و جعلت الألف و اللام في أول الكلام فكان حذف النون و إحلال المضاف إليه محلها أحسن و أجود.
و الوجه الثاني أن المضاف إليه مع المضاف كالشيء الواحد، و النون و التنوين يفصلان الكلمة عما بعدها، و الألف و اللام تفصل الكلمة أيضا عما بعدها كفصل النون و التنوين، فكان زيادة النون مع الألف و اللام تأكيدا لمعناها، و مع الإضافة نقصا لفحواها.
و الوجه الثالث أن الألف التي هي مثل علامة التثنية قد تلحق الواحد مع الألف و اللام في القوافي، و في أواخر الآي كقول اللّه تعالى: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا قال الشاعر:
أقلّى اللوم عاذل و العتابا
و قولي إن أصبت لقد أصابا