شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٥١
فنبدأ من ذلك ما ذكره سيبويه في هذا الباب و نشفعه بسائر المبنيات، فأول ذلك" حيث" اعلم أن حيث فيها أربع لغات، يقال حيث و حيث، و حوث، و حوث، و هي مبنية في جميع وجوهها و الذي أوجب بناءها علتان:
إحداهما أنها تقع على الجهات الست، و هي: خلف، و قدام، و يمنة، و يسرة، و فوق، و أسفل، و تقع على كل مكان. و كل واحد من هذه الجهات تقع مضافة إلى ما بعدها، و أبهمت" حيث" فوقعت عليها كلها و لم يخص مكانها دون مكان، فشبهوها لإبهامها في الأمكنة" بإذ" المبهمة في الزمان الماضي كله، فلما كانت" إذ" مضافة إلى جملة موضحة لها، أوضحت" حيث" بالجملة التي أوضح بها" إذ" من ابتداء و خبر و فعل و فاعل، فلما استحقت الإضافة و منعتها، صارت بمنزلة قبل و بعد، إذ حذف المضافتان إليه و بنيت كما بنيتا.
و العلة الثانية: أنه ليس شيء من غير الأزمنة، و ما في معناها يضاف إلى الجمل إلا" حيث"، فلما خالفت أخواتها" حيث" بأنها قد أضيفت إلى الجملة بنيت لمخالفتها أخواتها و دخولها في غير بابها، أعني في مشابهة إذ من الإضافة إلى الجمل، و استحقت أن تبنى على السكون؛ لأن المبني على حركة من الأسماء هو ما كانت له حالة في التمكن، مثل: قبل، و بعد، و أول، و من حل، و يا زيد، و كان حكم آخره أن يكسر لالتقاء الساكنين.
و سنبين لما وجب الكسر في التقاء الساكنين دون غيره إذا انتهينا إلى موضعه إن شاء اللّه- فلم يكسر و فتح استثقالا للكسرة مع الباء. فإن قال قائل: فقد قالوا: جير و ويب و وهيت فكسروهن، فإن الجواب في ذلك أن الحرف على مقدار كثرة استعماله تختار خفته و تؤثر سهولته، فلما كثر استعمال حيث مع العلة التي ذكرنا من اجتماع الكسر و الياء آثروا الفتحة لذلك، فأما من ضم" حيث" فإنما ضمها لما كانت مستحقة للإضافة و منعتها كما فعل بقبل و بعد، و نحن نبين علة الضم في قبل و بعد إذا انتهينا إليه إلا أن الضم في حيث لالتقاء الساكنين، و في قبل و بعد للبناء في أول أمره.
و قد حكى الكسائي عن بعض العرب أنهم يكسرون" حيث" فيقولون مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ فيضيفونها إلى جملة و يكسرونها مع ذلك، و الأمر في هذه اللغة عندي أنهم
[١] سورة الأعراف، آية ١٦. سورة القلم، آية ٤٤.