شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٥٨
و قوله: (و ما لم يكن هكذا سقط القول عليه).
يعني: ما لم تكن جملة نحو المصدر و الظرف و الحال سقط القول عليه و عمل فيه.
قال سيبويه: (و تقول:" قال زيد إن عمرا خير الناس"، و تصديق ذلك قول اللّه تعالى: وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ و لو لا ذلك لقال" أن" (اللّه)).
يعني: أن" أنّ" إنما تكسر إذا وقعت مبتدأة، و لم يعمل فيها ما قبلها كقولك:" إن زيدا قائم"، فإذا عمل فيها ما قبلها فتحت كقولك:" بلغني أن زيدا قائم"، و" ظننت أن زيدا قائم"، فلما قال تعالى: وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ ... إِنَّ اللَّهَ ...، علمنا أن القول لم يعمل فيها، و أن الجملة حكيت على لفظها قبل أن يدخل القول، و لو عمل القول لقال" أنّ" على ما بينا في الظن.
قال: (و كذلك" جميع" ما تصرف من فعله. إلا" تقول" وحدها في الاستفهام.
شبهوها في الاستفهام ب" تظن"، و لم يجعلوها ك" يظن"، و" أظن" في الاستفهام؛ لأنه لا يكاد يستفهم المخاطب عن ظنّ لغيره، و لا يستفهم (هو) إلا عن ظنه، فإنما جعلت ك" تظن"، كما أن" ما" ك" ليس" في لغة أهل الحجاز ما دامت في معناها. فإذا تغيرت عن ذلك أو قدم الخبر رجعت إلى القياس، و صارت اللغات فيها كلغة بني تميم).
قال أبو سعيد: أعلم أن القول قد يستعمل في معنى الظن و الاعتقاد و ذلك أن القول و الظن يدخلان على جملة، فتصورها في القلب هو الظن أو العلم، و العبارة عنها باللسان هو القول و من ذلك قول القائل:" هذا قول فلان"، و" مذهب فلان".
و من العرب من يعمل القول إعمال الظن على كل حال، فيقول:" قلت زيدا منطلقا"، كما تقول:" علمت زيدا منطلقا"، و" ظننت زيدا منطلقا"، و فيهم من يجعله بمنزلة الظن إذا استفهم المخاطب خاصة، فيقول:" أ قلت زيدا منطلقا"، و" أتقول زيدا منطلقا"، على معنى:" أ ظننت زيدا منطلقا"، و" أ تظنّ زيدا منطلقا"، و إنما يفعل ذلك في المخاطب إذا استفهم عن ظنه؛ لأن أكثر ما يقول الإنسان لمخاطبه:" أ تقول كذا و كذا في كذا، أو ما تقول في كذا" إنما يريد به ما يعتقد إلى أي شيء يذهب. ألا ترى أنك لو قلت
[١] سورة آل عمران، آية: ٤٢.