شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٥٨
قال أبو سعيد يعني: أن فعل التعجب لا يكون إلا فعلا، أصله قبل التعجب فعل، كقولك:" ما أضرب زيدا، و" أشتم عمرا للناس"، و أصله، ضرب و شتم، و" ما أعلم زيدا، و أسمعه"، و أصله: علم و سمع. و" ما أظرف زيدا"، و أصله: ظرف، و" ما أعطى زيدا"، و أصله: أعطى.
و إنما كان الفعل التعجب مما أصله هذه الأفعال لأنها تحتمل زيادة الهمزة نحو:
خرج و أخرجه غيره، و سمع و أسمعه غيره، فلا تصح زيادة هذه الهمزة إلا في أول الأفعال الثلاثية.
و أما قولك:" ما أعطى زيدا"، و أصله أعطى، فإن الهمزة التي في" أعطى" قبل التعجب زائدة؛ لأنه من" عطا يعطو" إذا تناول، فحذفوا هذه الهمزة الزائدة فصار" عطا"، ثم زادوا الهمزة التي للتعجب.
و أما سائر الأفعال فلا تحتمل صيغتها زيادة الهمزة في أولها نحو: انطلق، و استغفر، و احمر، و قاتل، و ما أشبه ذلك.
قال سيبويه: (هذا؛ لأنهم لم يريدوا أن يتصرف، فجعلوا له مثالا واحدا يجري عليه).
يعني: لما لم يتصرف فعل التعجب، جعلوا له مثالا واحدا يجري عليه، و إن كان قد يستعمل في باب النقل غيره، ألا ترى أنك تقول:
" عرف زيد عمرا و عرفته"، و" علم كذا"،" و أعلمته إياه". فالنقل قد يكون بتشديد العين. كما يكون بزيادة الهمزة في أوله، فاختاروا زيادة الهمزة في باب التعجب؛ لأنها أكثر في النقل.
قال سيبويه: (فشبه هذا بما ليس من الفعل، نحو" لات" و" ما"، و إن كان من" حسن" و" كرم" و" أعطى").
قال أبو سعيد: يعني أن فعل التعجب و إن كان مشتقا من أفعال متصرفة، فهو غير متصرف بمنزلة" لات" و" ما" في قلة تصرفها، و قد بينا ذلك. و نظير ذلك قول العرب للصقر" هذا أجدل" مصروف بمنزلة قولهم" هذا أفكل" و الأجدل مأخوذ من الجدل و هو الشدة و الفتل، فصرفوه و لم يجعلوه بمنزلة" أحمر"؛ لأنه و إن كان مشتقا من الجدل، فقد صار اسما للصقر و لا يقال لغيره إذا كان شديدا أجدل.