شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٦٣
يدل عليه.
فهذه الأشياء المانعة للصرف مشبهة بثقل الأفعال، و الأسماء الممنوعة الصرف مشبهة بالأفعال؛ لاشتراكهما في النقل، و ليست الواحدة من هذه العلل تبلغ الاسم إذا دخلته مبلغ الفعل في الثقل، فلا تؤثر تأثيرا إذا انفردت في الاسم؛ لأن للاسم خفة قوية بالاسمية، فلا يزيلها إلا علتان فصاعدا.
فإن قال قائل: إذا قلتم إن الأسماء التي لا تنصرف مشبهة بالأفعال، فلذلك أزلتم عنها الجر و التنوين، فهلا أسكنتموها لمشابهة الفعل؛ لأن الفعل لا يدخله الجر و التنوين، و يدخله السكون!؟
ففي ذلك جوابان: أحدهما أن ما شبه بالشيء لا يجب أن يساوى به في جميع أحواله المشبهة، فلما أشبهت هذه الأسماء الأفعال بما شملها من الثقل، سوى بينهما في اللفظ الذي لا يكون إجحافا بالاسم، فمنع التنوين و الجر فقط، و جعل مكان الجر الفتح، فحصل الحذف على شيء واحد، و هو التنوين؛ لأن الجر قد جعل مكانه الفتح و لو سكنا الاسم لأجحفنا بحذف التنوين و الحركة منه، و تسكين الفعل في حال الجزم لا يكون إجحافا به، و ذلك أنه غير منون في الأصل، فلم يذهب منه إلا شيء واحد.
و الجواب الثاني: أن الاسم كان محركا بحركات ثلاث يتبع كل واحدة منهن تنوين، فلو سكنا الاسم الذي لا ينصرف في حال، و حركناه في حال، كان التسكين لا يخلو أن يكون في حال رفع أو جر أو نصب، و تكون الحركة في غيرها، و لو فعلنا هذا لكنا قد خالفنا بين أشياء كانت منتظمة على حال واحدة؛ لأن هذه الحركات الثلاث قد كانت مقترنة بالتنوين، فإذا دخلت عليها علة فغير جائز أن تزيل التنوين عن بعضها فقد، و تزيل الحركة و التنوين عن البعض الآخر.
قال أبو سعيد: فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون الذي أزاله ثقل الاسم الذي لا ينصرف هو التنوين فقط، و فتح الاسم في حال الجر؛ لئلا يشبه المضاف إلى المتكلم؟
فإن الجواب في ذلك أن يقال: الذي أزال التنوين هو الثقل الذي دخل عليه حتى أحله محل ما ليس فيه تنوين، فإذا أزلنا عنه التنوين لحلوله محل ما ليس فيه تنوين أزلنا عنه الكسر، لحلوله محل ما ليس فيه كسر؛ لأن طريقهما واحد، و ليس لمدع أن يدعي خلاف ما ظهر إلا ببرهان، و قد ظهر الثقل و ظهر التغيير؛ فقلنا: التغيير الظاهر للثقل الظاهر.