شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢١
ظنونا مختلفة، و يقال: العلوم و الأفهام، في أشباه لذلك كثيرة، فجعل جري كل واحدة من الحركات خلاف جري صواحبها؛ لأن جريها ليس شيئا أكثر منها، و هي مختلفات في ذواتها، فكأنه قال: هذا باب جري أواخر الكلم و هي تعني أواخر الكلم تجري على ثمانية أنحاء من الجري، ثم بين ذلك بما بعده.
فإن قال قائل: فقد يروى عن المازني أنه غلّط سيبويه في قوله:" على ثمانية مجار"، و زعم أن المبنيات حركات أواخرها كحركات أوائلها؛ و إنما الجري لما يكون مرة في شيء يزول عنه، و المبني لا يزول عن بنائه، و كان ينبغي أن يقول: على أربعة مجار على الرفع و النصب و الجر و الجزم، و يدع ما سواهن.
فالجواب في ذلك- و باللّه التوفيق- أن أواخر الكلم لا يوقف على حركاتهن، و إنما تلزمهن الحركات في الدّرج، و ليس كذا صدور الكلام و أوساطها فجاز أن تصنف حركات أواخر الكلم من الجري بما لا تصنف به أوائلها و أوساطها؛ لأن حركات الأوائل و الأوساط لوازم في الأحوال كلها.
و وجه ثان: أن أواخر الكلم هن مواضع التغير، فيجوز إطلاق لفظ المجاري عليهن، و إن كان بعض حركاتهن لازما في حال، و مثل ذلك تسمية" سيبويه" لأواخر الكلم عامة" حروف الإعراب". و قد علمت أن المبنيات لا يعربن، و إنما سماهن حروف الإعراب لأن الإعراب يكون فيهن إذا أجريت الكلمة.
و قوله:" و إنما ذكرت لك ثمانية مجار، لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة، لما يحدث فيه العامل، و ليس شيء منها إلا و هو يزول عنه، و بين ما بني عليه الحرف بناء لا يزول" إلى آخر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه لقّب الحركات و السكون هذه الألقاب الثمانية- و إن كانت في الصورة أربعا- ليفرق بين المبني الذي لا يزول، و بين المعرب الذي يزول- و إنما أراد بالمخالفة بين تلقيب ما يزول و ما لا يزول إبانة الفرق بينهما؛ لأن في ذلك فائدة جسيمة تقريبا و إيجازا، لأنه متى قال: هذا الاسم مرفوع، أو منصوب، أو
[١] أبو عثمان بكر بن محمد بن بقية. و قيل: بكر بن محمد بن عدي بن حبيب المازني العدوي، من قبيلة بني مازن بن شيبان. توفي سنة ٢٤٧ ه. انظر نزهة الألباء ١٨٢.