شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٥١
على انطلاق زيد، فلم يجز أن تقول:" حسبت زيدا" و تسكت؛ لأن المحسبة لم تقع على زيد فلا يجوز أن تأتي بما لم تقع عليه المحسبة، و تترك ما وقعت عليه المحسبة و لا يجوز أن تقول: حسبت منطلقا و تسكت؛ لأن الانطلاق الواقع عليه المحسبة إذا لم يكن مسندا إلى صاحب فلا فائدة فيه؛ ألا ترى أنك تقول:" زيد منطلق"، تكون الفائدة للمخاطب في الانطلاق؛ لأن المخاطب قد عرف" زيدا"، و لا يجوز مع هذا أن تفرد أحدهما من دون الآخر، فتقول:" زيد" أو تقول:" منطلق"؛ لأنك إذا قلت:" زيد" فلا فائدة فيه إذ لم تخبر عنه بخبر. و إذا قلت:" منطلق" فلا فائدة فيه؛ إذا لم تذكر الذي له الانطلاق.
فهذه الأفعال إنما دخلت على مبتدإ و خبر، فلم يجز الاقتصار على أحدهما، كما لم يجز الاقتصار على المبتدإ، و لا على الخبر. و يجوز ترك المفعولين جميعا و الاقتصار على الفاعل كقولك:" ظننت"، و" حسبت"؛ لأنك لم تأت باسم يحتاج إلى خبر، و لا خبر يحتاج إلى صاحب، و إنما جئت بالفعل و الفاعل فكان الفعل خبرا عن الفاعل، و تم الكلام.
و في بعض أمثال العرب:" من يسمع يخل"، فلم يأت" ليخل" بمفعول.
فإن قال قائل: فما الفائدة في قولنا:" ظننت، و خلت"، إذا لم تأت بالمفعولين؟
قيل له: الفائدة فيه: أنه وقع منه ظن، و مخيلة، كما تقول: أكلت، و شربت"، فتكون الفائدة أنه وقع منه أكل، و لا تذكر منه المأكول و المشروب.
و جميع الأفعال التي تجري هذا المجرى أربعة عشر فعلا: منها سبعة أفعال قد سميّ فاعلوها، و سبعة أفعال لم يسمّ فاعلوها.
فأما السبعة الأفعال التي سمي فاعلوها فهي:" ظننت، و حسبت، و خلت، و رأيت من رؤية القلب-، و وجدت- من وجود القلب- و علمت و زعمت ...".
و أما السبعة التي لم يسم فاعلوها فهي:" أعلمت، و أريت، و نبئت، و أنبئت، و خبّرت، و أخبرت، و حدّثت".
فأما ظننت و حسبت و خلت فمعناها واحد، و هو أن تتصور الشيء من غير استثبات و لا دليل عليه، و قد يكون ل" ظننت" فقط، من هذه الثلاثة الأفعال مذهب يتعدى فيه إلى مفعول واحد، و هو أن تقول:" ظننت زيدا"، بمعنى: اتهمت زيدا، و منه