شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٥٤
بحركة نظيره.
و وجه آخر و هو أن المجزوم الساكن قد تلقاه ساكن بعده، فلو حركناه بالضم أو بالفتح لتوهّم أنه فعل مرفوع أو منصوب.
فإن قال قائل: قد رأينا الساكنين إذا اجتمعا حرك الأول منهما أو حذف إن كان مما يحذف، و رأينا التغيير يلحق الأول منهما فألا ألحقتم التغيير الياء من أين دون غيرها؟
قيل له: لعمري كان حكم اجتماع الساكنين أن يلحق التغيير الأول، إذا لم تكن علة مانعة، نحو قولك: قامت المرأة و لم يذهب الرجل، و قد يلحق الثاني التغيير إذا لم يمكن في الأول، كقولك: رجلان، و غلامان، و مسلمون، و صالحون، و ما أشبه ذلك.
و الذي منع الأول في" أين" من التحريك هو أنا لو كسرنا الياء كانت الكسرة فيها مستثقلة، و لو فتحناها فقلنا" أين" وجب أن نقلبها ألفا لتحركها و انفتاح ما قبلها على حكم التصريف، كقولنا: باع و جاد، و لو قلبناها ألفا وجب تحريك النون أو حذف الأول، فكان يلزم فيه تغيير بعد تغيير، فتجنبوا ذلك.
فإن قال القائل: فلم وجب في التقاء الساكنين تغيير الأول دون الثاني؟ قيل له: من قبل أن سكون الأول يمنع من التوصل إلى الثاني، و بتحريكه يتوصل إلى النطق بالثاني، فصار بمنزلة ألفات الوصل التي تدخل متحركات ليتوصل بها إلى ما بعدها من الساكن.
فإن قال قائل: فقد رأينا في كلامهم، نحو: جير، و حيص بيص في بعض اللغات، و حروف قد جاءت مكسورة على مثال أين و فيه من استثقال الكسر بعد الياء مثل ما ذكر تموه في أين، فكيف ساغ لكم الاحتجاج في فتح أين و أخواتها بما ذكرتموه، و قد جاء ما ينقض ذلك من هذه الأسماء الذي ذكرناها؟
قيل له: إنما كسرت هذه الأسماء على أصل ما يجب لالتقاء الساكنين، و قلّت في كلامهم فلم يحفلوا بكسرها لقلتها و قلة معالجتهم لها، و أين و أخواتها كثيرات الدور في الكلام؛ لأنها يستفهم بها عن الأشياء العامة، فاختير لها أخف الحركات لما فيها من الياء، و ثقل الكسر معها على ما وصفنا، فاعرف ذلك إن شاء اللّه.
و أما" كيف" فإنه يستفهم بها عن الأحوال، و وقعت موقع ألف الاستفهام، كأنك إذا قلت كيف زيد فقد قلت: أ صحيح زيد أم سقيم؟ أم غير ذلك من أحواله؟ إلا أنك لو نطقت بأحواله واحدة واحدة طال عليك أن تأتي على آخرها، و لم تكن مستوعبا للغرض