شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٠
قيل له: من قبل أن وقوعه موقع الاسم، ليس بعامل لفظي، فأشبه الابتداء الذي ليس بعامل لفظي.
فإن قال قائل: فإذا زعمتم أن الأفعال ترتفع بوقوعها مواقع الأسماء، فلم قلتم:" كاد زيد يقوم"، و" جعل زيد يقول"، و" أخذ زيد يقول كذا و كذا"، و هذه مواضع لا تقع الأسماء موقعها، لا تقول:" كاد زيد قائما" و لا" جعل زيد قائلا"، و لا" أخذ زيد ذاهبا"؟
قيل له في ذلك وجوه: منها أن" كاد زيد يقوم" في موضع" كاد زيد قائما"، و إن كان لا يستعمل الاسم بعده، كما أن قولك:" عسى زيد أن يقوم" في تقدير" عسى زيد القيام"؛ لأن أن الخفيفة و الفعل، بمنزلة المصدر، و في تقديره و إن كان المصدر غير مستعمل في" عسى"، و كما أن قولك:" لا تأتني فأشتمك" ينتصب على تقدير: فأن أشتمك و لا يجوز إظهاره و التكلم به، و إن كان الفعل معربا على تقديره، كذلك الفعل في" كاد" مرفوع على تقدير وقوعه موقع الاسم، و إن كان الاسم لا يجوز استعماله و إظهاره فيه.
و منها أن ارتفاع الفعل- في هذه المواضع التي ذكرناها- غير ناقض لما أصّلناه؛ و ذلك أنا إذا قلنا: إن الفعل يرتفع، بوقوعه موقع الاسم فلا يلزمنا بهذا ألا يرتفع إلا بوقوعه موقع الاسم، كما أن نقول: إن الفعل ينجزم بلم، و ينتصب بلن، و لا يلزمنا ألا ينجزم إلا بلم و لا ينتصب إلا بلن، و ذلك إنا إذا ذكرنا أحد العوامل في رفع، أو نصب، أو جزم، لم يلزم ألا يكون في الكلام عامل غيره لذلك الشيء، و لكن يجب متى جعلنا عاملا لشيء من الإعراب في حال، أن نجعله عاملا أين وجد على تلك الشريطة، و بذلك الوصف.
فإن قال قائل: فهبكم غير ناقضين لما أصلتم، و لا تاركين لما قلتم، فلم رفعتم الفعل بعد" كاد" و أخواته اللاتي ذكرناها؟ قيل له في ذلك- غير ما تقدم- وجهان آخران:
أحدهما: أن" كاد" لما لم يكن عاملا في الفعل تعرّى الفعل من العوامل اللفظية، فناسب الأفعال التي تقع مواقع الأسماء، في تعرّيها من ذلك، فرفع بهذه المناسبة.
و الوجه الثاني: أن" كاد" لا تستغنى باسمها- إذا أردت هذا المعنى- و لا أخواتها، فأشبه" كان" و أخواتها، و" إن" و أخواتها، و كل ما يحتاج إلى خبر، فرفع الفعل الذي لا يستغني اسم" كاد" عنه، كما رفع في" كان" و أخواتها، و سائر ما ذكرنا.