شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٩٤
فيصير هذا بمنزلة قولك:" من يأتيني فله درهم"؛ لأن الدرهم يستحق بالإتيان، فإن قصدت" بالذي" و صلته إلى اسم بعينه، لم يجز دخول الفاء في خبره، و جرى مجرى" زيد"، فقلت:" الذي يأتيني له درهم"، كأنك أردت: زيد الذي يأتيني له درهم، إذا قدرت أنه يأتيك، أو وعدك بذلك و لا يستحق الدرهم من أجل إتيانه فيجري مجرى" زيد" إذا قلت:" زيد له درهم".
و مما يجري مجرى الذي" كل رجل يأتيني فله درهم"؛ لأنك إنما توجب الدرهم بسبب إتيانه، فتضمر معنى المجازاة، فدخلت الفاء من أجلها.
فنقول الآن: إن قوله:" اللذين يأتيانك فاضربهما" يجوز فيه الرفع و النصب، فإن جعلت" اللذين" بمنزلة" زيد"، و لم تضمر مبتدأ و لا خبرا، كان الاختيار النصب، و لم تكن الفاء داخلة لجواب المجازاة، و لكنها دخلت كما دخلت في الأمر حين قلنا:
" زيدا فاضرب" فيكون التقدير: اضرب اللذين يأتيانك فاضربهما، كما تقول:" زيدا فاضربه".
و يجوز الرفع من وجهين:
أحدهما: أن تضمر مبتدأ و خبرا، و تجعل الفاء جوابا للجملة، كأنك قدرت: هذان اللذان يأتيانك، و اللذان يأتيانك صاحباك فاضربهما.
و الوجه الثاني: ألا تقصد إلى اثنين بأعيانهما، و تجعل الضرب مستحقّا بالإتيان، فكل اثنين أتياه وجب ضربهما. كما قال تعالى: وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فوجب الأذى على كل اثنين يأتيان الفاحشة، و عنى بالاثنين الذكر و الأنثى، و لم يكن الحكم جاريا على اثنين بأعيانهما دون غيرهما، و يكون قوله" فاضربهما" خبرا، و دخلت الفاء للجواب لا للأمر.
و لا يجوز سقوطها على هذا الوجه، و يجوز سقوطها في النصب؛ لأنك لم ترد هذا المعنى، و إن قصدت" باللذين" إلى اثنين بأعيانهما، لم يجز أن ترفع، و تدخل الفاء فتقول:
" اللذان يأتيانك فاضربهما" و أنت تعني زيدا و عمرا، كما لم يجز أن تقول:" زيد فاضربه"
[١] سورة النساء: ١٦.