شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٦٨
فإن الجواب في ذلك أن كل واحد منهما لما كانت منصوبة و مخفوضة في حال الإضافة و التمكن في قوله" جئته من قبلك" و" رأيته قبلك" أعطيت في حال البناء حركة لم تكن لها في حال التمكن و هي الضمة.
و علة ثانية: أن قبل و بعد قد حذف منهما المضاف إليه و تضمنا معنى الإضافة، فحركا بأقوى الحركات ليكون عوضا من الذاهب كما يعوض من المحذوفات في مواضع كثيرة حروف و حركات، ألا ترى أن سيبويه جعل السين في اسطاع عوضا من ذهاب الحركة من الواو في أطوع، فإذا جاز أن يبدل الحرف من الحركة و يجعل عوضا، جاز أن تبدل الحركة من الحرف و تجعل عوضه.
و علة ثالثة: و هي أن قبل و بعد يشبهان الاسم المنادى المفرد، و الشبه بينهما أن المنادى المفرد متى نكر أو أضيف أعرب، كقولك" يا راكبا" و" يا عبد اللّه" و إذا أفرد بنى إذا كان معرفة و قد كان متمكنا قبل أن يبنى، فكذلك قبل و بعد إذا أضيفا أو نكرا أعربا و إذا أفردا غير نكرتين بنيا فلما أشبها المنادى المفرد بالشبه الذي ذكرناه و كان المنادى مضموما ضما كما ضم.
فإن قال قائل: فما وجه كونهما منكورين في حال و معروفين في حال إذا كانا مفردين؟ قيل له: أما كونهما معروفين فأن يكون المضاف إليه المحذوف منهما معرفة فيتعرفان به فإذا حذفته لمعرفة المخاطب به فقد فهم بهما مفردين ما كان يفهمه بهما مضافين فهما على حدهما في التعريف، و من ذلك قوله عز و جل: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ أراد من قبل الأشياء و من بعدها، فحذف الأشياء و فهم المعنى، و إذا كانا منكورين فكأنهما أضيفا إلى منكور و حذف المضاف إليه فبقيا على التنكير. فإن قال قائل فلم لم يبنيا منكورين؟ قيل له لأنهما لم يتضمنا معنى الإضافة، فإذا كان كذلك لم يكونا كبعض الاسم و صارا بمنزلة قولك:" مررت بعبد و غلام"، و نحو ذلك، و إنما كانت العلة التي وجب من أجلها البناء أنهما كبعض الاسم لتضمنهما معنى الإضافة، و الذي قلناه في قبل و بعد هو العلة في أوّل و في وراء و قدام، و هذه الظروف إذ حذفت المضاف إليه حكمهن حكم قبل و بعد كما قال الشاعر:
[١] سورة الروم، آية ٤.