شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٦٧
شاعر أو تكلم متكلم على قبح، فقدّم الاسم، و شغل الفعل بضميره، نصب بإضمار فعل كما ذكرنا. فقال:" متى زيدا رأيته" على تقدير: متى رأيت زيدا رأيته. و أقبح من هذا أن تقول:" متى زيد رأيته" و" من أمة اللّه ضربها" كما تقول:" متى زيد منطلق" و" من أمة اللّه جاريته"، و الاختيار ما ذكرناه.
هذا باب من الاستفهام يكون الاسم فيه رفعا؛ لأنك تبتدئه؛ لتنبه المخاطب ثم تستفهم بعد ذلك
(و ذلك قولك:" زيد كم مرة رأيته"، و" عبد اللّه هل لقيته"، و" عمرو هلا لقيته"، و كذلك سائر حروف الاستفهام، فالعامل فيه الابتداء، كما أنك لو قلت:" أ رأيت زيدا هل لقيته" كان" أ رأيت" هو العامل، و كذلك إذا قلت:" قد علمت زيدا كم لقيته"، كان" علمت" هو العامل، فكذلك هذا فما بعد المبتدإ من هذا الكلام في موضع خبره).
قال أبو سعيد: أما قوله:" زيد كم مرة رأيته"، فالرفع لا غير في زيد من قبل أنه مبتدأ و" كم مرة رأيته"، في موضع الخبر له، و لا يصلح نصبه بإضمار فعل آخر؛ لأن ما بعد حرف الاستفهام لا يكون مفسرا لفعل قبله، كما لا يكون عاملا في اسم قبله الاستفهام. و تفسيره أنك لو نزعت ضمير" زيد" من" رأيته"، لم يجز أن تنصب" زيدا" ب" رأيت" فتقول:" زيدا كم مرة رأيت"؛ لأن الاستفهام هو صدر الكلام فلا يجوز أن يعمل الفعل الذي بعده في اسم قبله؛ لأنه إذا عمل فيه صار الاسم في صلة الفعل، و وجب حينئذ تأخيره عن حرف الاستفهام، فيقال:" كم مرة رأيت زيدا"، و" كم مرة زيدا رأيت" فلما لم يجز" زيدا كم مرة رأيت" لما ذكرنا لم يجز" زيدا كم مرة رأيته"، على تقديره: رأيت زيدكم مرة رأيته؛ لأن الفعل الذي بعد" كم" لا يفسّر ما قبله، كما لا يعمل فيه.
ثم استدل على أن قولك:" زيد كم مرة رأيته"، إنما يعمل فيه الابتداء لا غير، أنك قد تدخل عليه ما يدخل على المبتدأ، ثم تجيء بالاستفهام من بعد فتجعله في موضع