شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٣
تخصيص على مقدار خصوصه في نفسه، كقولك:" هذا غلام زيد" فيتعرف الغلام بزيد و تقول:" هذا غلام رجل صديق لك"، فيخرج الغلام عن حد الإبهام الذي في قولك:
" هذا غلام" حتى ينحصر ملكه على صديق له، دون سائر الناس، و صديق له أخص من واحد من الناس مبهم.
و وجه ثالث: إن الفعل لا يكون إلا نكرة، و لا يكون شيء منه أخصّ من شيء، فإذا كانت الإضافة إنما ينبغي لها زيادة معرفة المضاف، و لا سبيل إلى أن يعرف المضاف إليه، حتى يكون مقصورا إليه معروفا، فيتعرف المضاف بذلك، لم يصح.
و وجه رابع: و هو أن الفعل و الفاعل جملة، و لا يجوز أن تقول:" هذا غلام زيد يقوم، كذلك لا تقول:" هذا غلام يقوم زيد"؛ لأنه جملة كالابتداء و الخبر.
و وجه خامس: إن الفعل إنّما هو اللفظ الدال على حدث في زمان ماض أو غير ماض، فلو أضفنا إلى الفعل كنا قد أضفنا إلى الحدث و الزمن، لا إلى أحدهما، و لا يصح الإضافة إلى زمان غير متحصل، و إنما يضاف إلى الزمان الدال على وقت منه بعينه؛ لأن الزمان الماضي يقع على" أمس" و ما قبله، من الأزمنة التي لا يحصلها وقتا وقتا، و على ما بعده من الأوقات إلى ما يلينا من أقربها، فلا يتبين المضاف إليه من الزمان، و لا يتخلص من غيره.
و يدل على صحة هذا الوجه أن الزمان المستقبل قد يكون ماضيا، و قد كان الماضي مستقبلا، فلا معنى للإضافة إلى زمان لا يختص لنفسه حالا يتبين بها من غيره، و الإضافات إنما حكمها و الفائدة فيها: إخراج المضاف من حالة مبهمة إلى ما هو أخصّ منها.
و ذكر أبو الحسن الأخفش في ذلك علّتين:
إحداهما: أنه قال: لو أضفنا إلى الفعل لاحتجنا بعده إلى الفاعل، و قد علمنا أن المضاف إليه يقوم مقام التنوين، و لم يبلغ من قوة التنوين عنده أن يقوم مقامه شيئان.
و العلة الثانية، زعم أن الأفعال أدلّة على غيرها، يعني على الحدث و الزمان و على فاعليها و مفعوليها.
و زعم أن المضاف إليه مدلول عليه؛ قال: و الأفعال أدلة، و ليست بمدلول عليها، فلا يضاف إليها؛ لأن الإضافة إلى المدلول عليه لا إلى الدليل.