شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٩٦
و ذلك أن المعنيين إذا تساويا في اللفظ و المعنى، كان إتباع اللفظ اللفظ أولى بالاختيار، ألا ترى أن قولنا:" مررت بزيد و عمرو"، أولى من قولنا:" مررت بزيد و عمرا"، و قد قدمنا ذكر الحجج في المطابقة بين الألفاظ.
و مما يدل على صحة قول سيبويه إجماعهم أنك إذا قلت:" قد علمت أزيد في الدار أم لا"، أن" زيدا" مرفوع؛ لأن حرف الاستفهام منع الفعل من الوصول إليه، فإذا قلت:
" قد علمت زيدا في الدار هو أم لا"، فإن الاختيار نصب" زيد" لزوال حرف الاستفهام عنه، و يجوز رفعه؛ لأنه في المعنى مستفهم عنه، فهو بمنزلة ما معه حرف الاستفهام، فلم يجعلوا لفظ الاستفهام كمعناه في اختيار الرفع، و منع الفعل من الوصول إليه.
قال: (و هذا كقولك:" أيهم منطلق؟" و من رسول؟)
يعني قولك:" أيهم رأيته: كقولك:" أيهم منطلق" في باب المبتدأ و الخبر؛ فإذا قيل لك:" أيهم منطلق" كان الجواب" زيد" بالرفع لا غير، و كذلك إذا قيل:" أيهم منطلق" في باب الابتداء و الخبر، فإذا قيل لك:" أيهم منطلق" كان كالجواب رفع لا غير، و كذلك إذا قيل:" أيهم رأيته" فالاختيار في الجواب أن تقول:" زيد"، و إن كان يجوز في هذا النصب على ما ذكرنا.
قال: (و إن قال:" أعبد اللّه مررت به أم زيدا"، قلت:" زيدا مررت به"، كما فعلت ذلك في الأول).
يعني تنصب في الجواب كما نصب هو في المسألة.
و كذلك إذا قلت:" لا بل زيدا" نصبت" زيدا"، نصبت أيضا في الجواب، و إن جئت بحرف عطف كما أنه إذا قال:" من رأيت؟"، قلت:" زيدا"؛ لأن" من" في موضع نصب" فإنما يحمل الاسم في الجواب على إعرابه في المسألة.
قال: (و لو قلت:" مررت بعبد اللّه و زيدا" كان عربيا فكيف هذا؟، لأنه فعل، و المجرور في موضع مفعول منصوب).
يعني: أنك إذا قلت:" مررت بعبد اللّه و زيدا"، جاز على تأويل:" لقيت عبد اللّه و زيدا، و" جزت عبد اللّه و زيدا"، فإذا كان هذا جائزا عربيا في العطف، كان في الاسم المستفهم عنه أولى، و ذلك قولك:" أعبد اللّه مررت به".
و إنما صار فيه أولى و أجود؛ لأن عبد اللّه لا يمكن جره بالباء الظاهرة، لاشتغالها
شرح كتاب سيبويه، ج١، ص: ٣٩٧
بالضمير و لا بباء مضمرة؛ لأن الجار لا يضمر، و قولك:" مررت بعبد اللّه و زيد" يمكن جر" زيد" بالعطف على" عبد اللّه"، فلما جاز نصبه، كان نصب المستفهم عنه أولى لما ذكرنا.
و الباء الجارة ليست تمنع المجرور من أن يكون في معنى مفعول على ما تقدم من ذكرنا له، فلذلك جاز أن يحمل المعطوف عليه على الفعل، و إن كان الفعل الظاهر يصل بحرف جر.
(قال جرير:
جئني بمثل بني زيد لقومهم
أو مثل أسرة منظور بن سيّار