شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٦٤
يعني: أن الاختيار إعمال الثاني؛ لأنه لا فرق في المعنى بين إعمال الأول و الثاني، و نحن نكتسب بإعمال الثاني حمل الشيء على ما يقرب منه و يجاوره، و العرب تختار حمل الشيء على ما يقرب منه، و قد بينا هذا.
قال سيبويه: (كما أن" خشّنت بصدره و صدر زيد"، وجه الكلام، حيث كان الجر في الأول، و كانت الباء أقرب إلى الاسم من الفعل، و لا تنقض معنى سوّوا بينهما في الجر كما يستويان في النصب).
قال أبو سعيد يعني: أن قولنا:" خشنت بصدره و صدر زيد"، أجود من" خشنت بصدره و صدر زيد" و كلاهما جائز؛ لأنك إذا جررت حملته على مجرور يجاوره لفظا، و إذا نصبت حملته على المعنى، كأنك قلت:" خشنت صدره و صدر زيد" و حمله على اللفظ أجود؛ لأنه معه و إلى جنبه، فكذلك الأول حمله على ما يقاربه و يجاوره أجود. و لا فرق بين النصب و الجر في" خشنت" فلما لم يكن فرق كان مطابقة اللفظ أولى بالاختيار، كما أنهم لو نزعوا الباء لسوّوا بين الأول و الثاني في النصب، و قالوا:" خشنت صدره و صدر زيد".
قال سيبويه: (و مما يقوى ترك نحو هذا لعلم الخاطب، قوله تعالى: وَ الْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحافِظاتِ وَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ).
أراد و" الحافظاتها" و الذاكرين اللّه كثيرا و الذاكراته. فترك مفعول الثاني لعلم المخاطب بذلك و الاكتفاء بالأول لو كان منصوبا.
و كذلك قوله: (" و نخلع و نترك من يفجرك").
فلو كان منصوبا ب" نخلع" كان الاختيار أن يقول: و نخلع و نتركه من يفجرك، و نصبه ب" نخلع" جائز أيضا، فقد ترك إما مفعول" نخلع" و إما مفعول" نترك" اكتفاء بعلم المخاطب.
قال سيبويه: (و قد جاء في الشعر من الاستغناء أشد من هذا، و ذلك قول قيس بن الخطيم:
[١] سورة الأحزاب، آية: ٣٥.