شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٣٠
مكانهم في الرفعة بشر، كما تقول:" و إذ ما فوقهم بشر" أي فوق منزلتهم بشر و إذ ما دونهم على الظرف.
قال: (و هذا لا يكاد يعرف كما أن لاتَ حِينَ مَناصٍ كذلك و" رب شيء هكذا"، و هو كقولهم:" هذه ملحفة جديدة" في القلة).
يعني: أن نصب" مثلهم بشر"، على تقديم الخبر لا يعرف، كما أن لاتَ حِينَ مَناصٍ بالرفع قليل، لا يكاد يعرف.
كما أن" ملحفة جديدة" قليل و ذلك أن" فعيلا" الذي بمعنى مفعول حكمه ألا يلحقه هاء التأنيث، كقولهم:" امرأة قتيل"، و" كف خضيب"، و" ملحفة جديد"، في معنى مقتولة، و مخضوبة، و مجدودة، و لا يقال: قتيلة، و لا جديدة، و قد قيل:" ملحفة جديدة"، و هو قليل خارج عن نظائره، و إنما قبل ذلك عندي على تأويل متجددة؛ فكأنها جعلت فاعلة و جعلت" فعيلة" على معنى فاعلة. و إذا كان" فعيل" بمعنى فاعل لحقه التأنيث كقولك:" امرأة كريمة، و ظريفة" و ما أشبه ذلك.
قال سيبويه: (و تقول:" ما عبد اللّه خارجا، و لا معن ذاهب"، ترفعه على ألا تشرك الاسم الآخر في" ما" و لكن تبتدئه كما تقول:" ما كان عبد اللّه منطلقا و لا زيد ذاهب" إذا لم تجعله على معنى" كان" و جعلته غير ذاهب الآن).
قال أبو سعيد: يعني أنك إذا قلت:" و لا معن ذاهب"، فإنما نفيت ب" لا" نفيا مستأنفا، و" لا" لا تعمل شيئا؛ لأنك تقول:" لا زيد ذاهب و لا عمرو منطلق"، و جعلت الواو لعطف جملة على جملة، غير أنه لا يحسن أن تنفي ب" لا"، و ترفع ما بعدها على الابتداء و الخبر، إلا أن تكرر النفي. لا يحسن أن تقول:" لا زيد ذاهب"، فإذا قلت:" و لا عمرو منطلق" حسن، أو" ما زيد ذاهبا و لا عمرو منطلق"، و هذا يستقصى في بابه.
و إذا قلت:" ما كان عبد اللّه منطلقا و لا زيد ذاهب"،" فزيد" أيضا مرفوع بالابتداء، و استأنفت النفي ب" لا"، و جعلت الواو لعطف جملة على جملة، و كذلك" ليس عبد اللّه ذاهبا و لا زيد منطلق".
فإن جعلت" لا" لتأكيد النفي الذي قبلها و لم تجعلها هي النافية عطفت آخر الكلام على أوله فقلت:" ما كان عبد اللّه خارجا و لا معن ذاهبا"، و" ما كان زيد ذاهبا و لا عمرو منطلقا" و" ليس زيد ذاهبا و لا عبد اللّه خارجا"؛ لأنك لم تحفل ب" لا" و جعلت العطف
شرح كتاب سيبويه، ج١، ص: ٣٣١
بالواو على العامل الذي قبل.
قال سيبويه: (و ليس قولهم لا يكون في" ما" إلا الرفع بشيء، لأنهم يحتجون بأنك لا تستطيع أن تقول:" و لا ليس"" و لا ما").
قال أبو سعيد: يعني بذلك قوما من النحويين يزعمون أنه لا يجوز" ليس زيد ذاهبا، و لا معن منطلقا"، و لا يجيزون أيضا" ما زيد ذاهبا و لا معن منطلقا"، حملا على" ما، و ليس"، و ذلك أنه عندهم لا يصح عطف الثاني على الأول إلا بتقدير إعادة العامل بعد حرف العطف، كقولك:" قام زيد و عمرو" و" ضربت زيدا و عمرا"، و التقدير عندهم:
قام زيد و قام عمرو، و ضربت زيدا و ضربت عمرا، فلا يجيزون" ما زيد ذاهبا و لا عمرو منطلقا"؛ لأنه لا يصح إعادة العامل، و هو" ما"، ألا ترى أنك لا تقول:" ما زيد ذاهبا و لا ما عمرو منطلقا"، و" ليس زيد ذاهبا و لا ليس عمرو منطلقا".
و أما الذي عندنا فإن المعطوف لا تقدر له إعادة العامل بعد حرف العطف، بل تجعل العامل الأول لهما جميعا و تجعل حرف العطف كالتثنية فيصير المعطوف و المعطوف عليه كالمثنى، ألا ترى أن قولنا" قام الزيدان"، بمنزلة:" قام زيد و قام زيد"، و" قام زيد و عمرو"، بمنزلة: قام الزيدان، غير أنه لم يمكن تثنية" زيد و عمرو" بلفظ واحد، ففصل بينهما بالواو، و صارت الواو كالتثنية فيما اتفق لفظه.
و لو قدمت ذكر" زيد، و عمرو" ثم كنيت عنهما لم تحتج إلى عطف و ثنيت كنايتهما لاتفاق الكنايتين، و إن كان الاسمان مختلفين، فقلت:" زيد و عمرو قاما". و كذلك إذا قلنا:
" ليس زيد ذاهبا و لا عمرو منطلقا"، و" ما زيد ذاهبا و لا عمرو منطلقا"، لم تحتج إلى إعادة العامل، فبطل العطف لبطلان إعادة العامل و الذي منع من إعادة العامل أنك لا تجمع بين حرفي نفي؛ فلم يجز إعادة" ما" و" ليس" بعد" لا".
ثم أراهم سيبويه المناقضة فيما أضلوا.
فقال: (فأنت تقول:" ليس زيد و لا أخوه ذاهبين". و" ما عمرو و لا خالد منطلقين"، فتشركه مع الأول في" ليس" و في" ما").
يعني: أنهم يقولون:" ليس زيد و لا أخوه ذاهبين"، فيعطفون الأخ على" زيد"، و العامل فيه" ليس"، و لا يحسن إعادة" ليس" فقد ناقضوا.
فإن قال قائل: إنا إذا قلنا" ليس زيد ذاهبا و لا عمرو منطلقا"، فقد تم الأول،