شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٣
و روي عن" الخليل" روايتان في" لن"، إحداهما مثل القول الذي ذكرناه، و الثانية أنها كانت" لا أن" فحذف و خفف لكثرته، كما قالوا:" أيش" و" يلمّه" و الأصل" أي شيء" و" ويل أمه".
و احتج سيبويه مبطلا لهذا القول فقال: لو كان معنى" لن" لا أن، لما جاز أن نقول:
" زيدا لن أضرب"، كما لا يجوز" زيدا لا أن أضرب"؛ لأن ما في صلة أن لا يعمل فيما قبله.
و للمحتج عن" الخليل" أن يقول: إن الحرفين إذا ركّبا قد يتغير معناهما منفردين، من ذلك أنك تقول:" لو جئتني لأكرمتك" فإنما امتنعت من إكرامه؛ لامتناع مجيئه، و" لو" يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، فإذا أدخلت على" لو"" ما"، أو" لا"، استحال معناها الأول، و صارت بما بعدها للتحضيض، نحو قول اللّه عزّ و جل: لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ و قوله تعالى: لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ و المعنى: هلا، و" لولا" قد يكون لها معنى آخر، و هو أن يمتنع الشيء بها لوقوع غيره، كقولك:" لو لا عبد اللّه أتيتك" فإنما امتنع الإتيان من أجل المحذوف بعد عبد اللّه، و المعنى لو لا عبد اللّه قائم، أو عندك، أو نحو ذلك، فبذلك المعنى المضمر، و من أجله امتنع إتيانه، فقد رأينا حروفا يتغير معناها، بتركيب غيرها معها. فيقول المحتج للخليل: إن معنى" لن" لا أن، إلا أنا إذا ركبنا أن مع" لا" لم يكن الفعل صلة لها، كما يكون صلة لأن، و صارت بمنزلة" لم" في أن الفعل الذي بعدها ليس بصلة لها.
فإن قال قائل: فإذا كان أصلها:" لا أن"، فهل جاز استعمالها على أصلها، كما جاز أن يقال:" أي شيء"، و" ويل أمه"، فيستعملا على أصولهما؟ قيل له المخفف و المحذوف على ضربين:
أحدهما: يجوز استعماله على أصله، و الآخر متروك استعماله، غير جائز إجراؤه على أصله، لترك العرب لذلك، و لغيره من العلل التي لا يتسع الموضع لها، فمن المحذوف الذي يجوز رد ما حذف منه ما ذكرناه و هو" أي شيء" و" ويل أمه" و ما لا أحصيه كثرة.
[١] سورة الحجر، آية ٧.
[٢] سورة المنافقون، آية ١٠.