شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٠٦
بيّنّاه، و ضمير النكرة لا يستفيد منه المخاطب أكثر من النّكرة، ألا ترى أنّ قائلا لو قال:
" مررت برجل و كلّمته"، لم تكن الهاء العائدة إلى رجل بموجبة لتعريف شخص بعينه من بين الرجال، و إن كانت الهاء معرفة من حيث علم المخاطب أنها تعود إلى ذلك الرجل المذكور من غير أن يكون تمييز له من بين الرجال، فلا فرق بين أن تقول:" قائم كان زيدا" و يجعل في كان ضمير قائم، و بين أن يقول:" كان قائم زيدا" في باب معرفة المخاطب بالمخبر عنه.
و جواب آخر: أن" ظبي" اسم كان أخرى مضمرة قبل ظبي، و كان الثانية تفسير لها، و يكون اسم كان الذي أراده سيبويه ظبي.
و أما ارتفاع ظبي فإنه على وجهين: إما أن يكون مبتدأ، و تكون كان و اسمها و خبرها في موضع خبره، كما تكون الجمل أخبار المبتدآت، و إما أن يرتفع بكان أخرى مضمرة؛ لأن ألف الاستفهام بالفعل أولى، فيكون تقديره:" أ كان ظبي كان أمّك" فيكون ظبي مرتفعا بكان، و يكون:" كان أمك" تفسيرا لكان المضمرة، و يكون كان المضمرة بمعنى وقع، و هذه الأخرى الظاهرة تفسيرا للمضمرة لتقارب معناهما.
و هذا الشاعر إنما يصف إضراب النّاس عن التشرّف بالأنساب، و تقارب ما شرف منها و وضع، فقال: لا تبالي بعد هذا الوقت إن دام ما نحن فيه إلى من نسبت من الأمهات.
و أما البيت الثاني، فإنه جعل (مزاجها) خير يكون و (عسل و ماء) اسمها، فهو مطابق لما استشهد به سيبويه من غير اعتراض عليه. غير أن في هذا البيت ما يسهّل جعل النكرة اسما من جهة المعنى، و ذلك أن الذي يستفيده المخاطب بعسل و ماء منكورين، هو الذي يستفيده منهما معروفين؛ لأنّهما نوعان متشابها الأجزاء، ألا ترى أنّ قائلا لو قال لك:
شربت الماء و العسل، أو قال: شربت ماء و عسلا، كان معناهما عندك واحدا، لعلمك أنه إذا قال: العسل و الماء أنّه لا يأتي على شربهما أبدا، و أن غرضه من ذلك البعض، و استواء أجزائهما أن العسل و الماء يقال لما قلّ منه و كثر: عسل و ماء، ألا ترى أنّ جرعة ماء و أقلّ منها يقال لها ماء، و أن دجلة و الفرات و البحر ماء، فأجزاؤه متساوية و مما سهل ذلك أيضا أن الضمير الذي في مزاجها يعود إلى منكور، و هي سلافة. و قد بيّنا ما في ذلك.
و كان أبو عثمان المازني ينشد: