شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٧٠
في العلم بوقوعه، و إن كان أحدهما من طريق اللفظ، و الآخر من غيره.
و قوله:" كما علم أنّه قد كان"، يريد: كما علم أن الحدث و الهاء ضميره. قد كان:
يعني قد وقع، و كذلك أيضا قد علم أنه قد وقع في مكان. و في بعض النسخ:" قد كان ذهاب" و هذا غني على تفسير الضمير في كان.
و قوله:" اسما للمكان، و إلى المكان"، فالذي هو اسم للمكان نحو قولك:
" المذهب" و" المجلس" و" المقعد" و" المقام"، و سائر الأمكنة المشتقة من لفظ الأفعال.
و أما قوله:" و إلى المكان"، يريد: ما لم يكن مشتقّا من لفظ الفعل المذكور، كقولك:" خلفك" و" قدّامك" و" المكان" و ما أشبه ذلك.
و اعلم أن ظروف المكان مختصّة ببعض ألفاظ الأمكنة دون بعض، و الألفاظ التي تكون لظروف الأمكنة، هي الألفاظ التي لا يختص بها مكان دون مكان، و يصلح استعمالها فيها كلها، فمن ذلك الجهات الست، و هي: خلف، و قدّام، و يمنة، و يسرة، و فوق، و تحت، و ما كان في العموم مثلهن، و ذلك أنه لا شيء من المكان إلا و هو يصلح أن يكون خلفا لشيء، و قدّاما لشيء، و يمنة لشيء، و كسرة لشيء، و فوقا لشيء، و تحتا لشيء.
و ما جرى من الأماكن مجراهن فهو بمنزلتهن، كقولك: النّاحية، و وسط، و جانب، و ذلك أنه لا شيء من المكان إلا و هو ناحية عن شيء، و جانب لشيء، و وسط لما يحيط به، فما كان سبيله هذا السبيل، جاز أن يكون ظرفا من المكان، و ما كان مختصا بضرب من البنية أو بشيء من البقاع على صورة لا يقع على غيرها لم يصلح أن يستعمل ظرفا نحو: المسجد، و البيت، و الدّار، و الحمّام، و السّوق، و الجبل، و الصّحراء، و الوادي، و ما أشبه ذلك؛ لأن هذه أشياء سمّيت بهذه الأسماء، لاختصاصها بضرب من الصور غير موجود في غيرها، ألا ترى أن المسجد اسم لبقعة ما، على صورة من الصّور، إذا بطلت بطل أن تكون مسجدا، و كذلك الدّار و الحمّام، و الجبل: فتقول:" قمت خلف" و" قمت ناحية" و" كلّمت زيدا مكانا طيّبا"، و لا يجوز أن تقول:" كلّمت زيدا المسجد و لا البستان"، حتى تأتي بحرف الجرّ؛ لأن ما لم يكن ظرفا من المكان، فهو بمنزلة سائر الأسماء، يصل الفعل إليه كما يصل إلى غيره، بحرف جرّ أو بغيره، فتقول:" قمت في المسجد" كما تقول:" تكلّمت في زيد".