شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٦١
و ربما احتجّ بعض النحويين بأن يقول: الفاعل من المفعول؛ لأنه محتاج إليه، فجعل له أقوى الحركات للمشاكلة. و قد احتج بعضهم بأن قال: أوّل ما يرد من الأسماء الفاعل، فيرد و النفس جامّة، فاستعمل له أقوى الحركات؛ لقوة النّفس عند وروده على إتمام النطق، و جعل أخفّ الحركات لما بعده.
و قد احتج بعضهم بأن الفاعل مضارع للمبتدأ؛ لأنه يخبر عنه بفعله الذي قبله، كما يخبر عن المبتدأ بخبره الذي بعده، فالفعل و الفاعل كالمبتدأ و الخبر، إلا في التقديم و التأخير و الزّمان الذي يدلّ على صيغة الفعل، ألا ترى أنّك إذا قلت:" قام زيد" فمعناه" زيد قائم" إلا أن" قام زيد" قد دلّ على زمان متقدّم، و القيام الذي به خبّرت عن زيد ملفوظ به قبله. و إذا قلت:" زيد قائم" فهو غير دالّ على زمان متقدّم أو متأخر.
و اعلم أن قولنا: فاعل و فعل ليس المقصد فيه إلى أن يكون الفاعل مخترعا للفعل على حقيقته، و إنما يقصد في ذلك إلى اللفظ الذي لقّبناه فعلا في أول الكتاب الدال بصيغته على الأزمنة المختلفة، متى ما بنيناه لاسم و رفعناه به، سواء كان مخترعا له أو غير مخترع رفعناه به و سمّيناه فاعلا من طريق النحو، لا على حقيقة الفعل، ألا ترى أنا نقول:
" مات زيد"، و لم يفعل موتا، و نقول من طريق النحو:" مات" فعل ماض و" زيد" فاعله، و" طلعت الشّمس" و" انتصبت الخشبة" و" نظف ثوبك"، و ما أشبه ذلك من الأفعال التي لا تحصى.
و قد ينقل الفعل عن الاسم الذي سميناه فاعلا، و يحذف الفاعل، و يغير لفظ الفعل، و يرفع به ما كان مفعولا في اللفظ، كقولنا:" ضرب زيد عمرا"، تحذف زيدا و تغير الفعل، و تبنيه لعمرو. و سبيل هذا سبيل الفاعل الذي بنينا له الفعل، و رفعناه به، غير أنّ النحويين يسمّون هذا الفعل: فعل مفعول به؛ لأنه قد كان له فاعل حذف و غيّر لفظ الفعل بالحركات، و العمل فيها واحد، فالذي يرتفع بالفعل هو الذي يشغل الفعل به سواء كان فاعلا أو مفعولا أقيم مقام الفاعل. و معنى شغل الفعل به أنّك تجعله خبرا غير مستغن عنه. و ذلك معنى قول سيبويه:" لأنّك لم تشغل الفعل بغيره" يعني إذا قلت:" ضرب زيد" لم تشغل الفعل بغيره، و لو شغلت الفعل بغيره لنصبته كقولك:" ضرب عمرو زيدا".
ثم قال سيبويه بعد أن مثّل فعل الفاعل و هو:" ذهب زيد"، و فعل المفعول و هو:
" ضرب زيد" فقال:" و الأسماء المحدّث عنها و الأمثلة دليلة على ما مضى و على ما لم