شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٢
مخفوض، علم بهذا اللفظ أن عاملا عمل فيه يجوز زواله، و دخول عامل آخر يحدث خلاف عمله، فيكتفي" بمرفوع" عن أن تقول هذه ضمة تزول، أو تقول: عمل فيه عامل فرفعه، ففي هذا حكمة و إيجاز فاعرفه؛ فإن كثيرا من النحويين الكوفيين يخالفونه، و يسمون الضمة اللازمة رفعا، و قد عرفتك وجه الحكمة في تسمية هذا رفعا.
و قال جماعة من النحويين: غلط سيبويه في قوله" و إنما ذكرت لك ثمانية مجار؛ لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة"، قالوا: من قبل أن ما يدخله ضرب من هذه الأربعة هو حرف، لأن هذه الأربعة أراد بها الحركات و السكون، و ما يدخله ضرب منها حرف، لأن الحركات لا تدخل إلا على الحروف، ثم قال:" و بين ما بني عليه الحرف بناء لا يزول". و الذي بني عليه الحرف هو الحركة، فكأنه في التمثيل قال: لا فرق بين الحرف و الحركة، و هذا بعيد جدّا؛ لأن الفرق واقع بين الحروف و الحركات بلا لبس و لا شبهة، و لا يشك في الفرق بينهن أحد، و لا يلتبس عليه، إنما الوجه أن يفرق بين الحركة و الحركة، ألا ترى أن قائلا لو قال، لا فرق بين جسم زيد و حركة عمرو، لكان واضعا للفرق في غير موضع الحاجة إليه، و إنما يفرق بين زيد و عمرو أو بين حركة زيد و حركة عمرو.
فالجواب في ذلك: أن" سيبويه" إنما أراد: لأفرق بين إعراب ما يدخله ضرب هذه الأربعة و بين الحركة التي يبنى عليها الحرف بناء لا يزول، فحذف المضاف و أقام المضاف إليه مقامه كقوله: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها. و تصحيح اللفظ فإنما ذكرت لك ثمانية مجار، يعني: النصب و الجر و الرفع و الجزم و الفتح و الضم و الكسر و الوقف، لأفرق بين حركات ما يدخله ضرب من هذه الضروب الأربعة: يعني بين حركة ما يدخله رفع أو نصب أو جرّ أو جزم، فكأنه قال: لأفرق بين المرفوع و المنصوب و المخفوض و المجزوم، و هو ما يتغير من الكلم بالعوامل التي تثبت مرة و تزول مرة أخرى، و بين ما بني عليه الحرف بناء لا يزول، يعني صيغت عليه الكلمة صياغة لا يزيلها شيء من العوامل المختلفة، نحو: فتحة" أين"، و ضمة" حيث"، و كسرة" هؤلاء" و وقف" من" فاعرف ذلك، إن شاء اللّه.
[١] سورة يوسف، آية ٨٢.