شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٨٨
بين القيام و القعود في حال"، كان قد خبّر باجتماع هذين المعنيين، و قد علمنا أن الاجتماع الذي خبر به على غير ما خبّر، و الكذب إنما هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، و إن كان ذلك الشيء مما لا يجوز فيه الصّدق البتّة، ألا ترى أنك تقول للمشرك الذي يدّعي أن للّه شريكا في ملكه و سلطانه، جل اللّه و عز: إنه كاذب، و إن كان هذا لا يجوز أن يكون البتة، و كذلك الذي يقول:" إن للّه ولدا" كاذب. قال اللّه عز و جل:
لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ.
و قد ذكر سيبويه المحال في موضعين؛ فقال في أحدهما:" و أما المحال فأن تنقض أول كلامك، فتقول:" أتيتك غدا" و" سآتيك أمس". و قال في الموضع الآخر:" و أما المحال الكذب فأن تقول:" سوف أشرب ماء البحر أمس" فقال في الموضع الأول:" فأما المحال" و لم يقل: المحال الكذب. و قال في الثاني:" المحال الكذب" غير أنه مثل الأول بشيء هو محال كذب أيضا، و إنما أبهم الأول؛ لأن المحال قد يكون كذبا و غير كذب، غير أن الذي يجمع ذلك كلّه تناقض اللفظ فيه.
فأما المحال الذي ليس بكذب، فاللفظ الذي يستحيل في الأمر، و في الاستفهام، و في: موضع لا يقع فيه الكذب؛ كقولك لمن تأمره:" قم أمس"، و لمن تستفهمه:" أستقوم أمس؟" و" هل قمت غدا"؟ و المحال الكذب قد مرّ، فحصل من ذلك أن المحال على ضربين:
كذب و غير كذب. و الكذب على ضربين: محال و غير محال.
و قال أبو الحسن الأخفش: و منه الخطأ، و هو ما لا تعمّد فيه؛ نحو قولك:" ضربني زيد" و أنت تريد:" ضربت زيدا"، و هذا من جهة اللفظ مستقيم، فيقال فيه على قياس ما مضى: مستقيم خطأ، كما قيل: مستقيم كذب، و مستقيم قبيح.
هذا باب ما يحتمل الشّعر
قال سيبويه:" اعلم أنه يجوز في الشّعر ما لا يجوز في الكلام، من صرف ما لا ينصرف يشبّهونه بما ينصرف من الأسماء؛ لأنها أسماء كما أنها أسماء".
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه ذكر في هذا الباب جملة من ضرورة الشعر؛ ليري بها الفرق بين الشّعر و الكلام، و لم يتقصّه؛ لأنه لم يكن غرضه في ذكر ضرورة الشاعر
[١] سورة الصافات، آية: ١٥١، ١٥٢.