شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٨
و كائن في وقت النطق و هو الزمان الذي يقال عليه الآن الفاصل بين ما مضى و يمضي.
و أما الماضي فإنه يختص مثالا واحدا و الحال و المستقبل الذي ليس بأمر يختصان بناء واحدا، إلا أن يدخل عليه حرف يخلص له الاستقبال و هو سوف و السين و أن الخفيفة.
إن طعن طاعن في هذا فقال: أخبرونا عن الحال الكائن، أوقع و كان، فيكون موجودا في حيز ما يقال عليه: كان، أم لم يوجد بعد فيكون في حيز ما يقال عليه:" لم يكن"؟ فإن قلتم: هو في حيز ما يقال عليه: لم يكن، فهو مستقبل، و إن كان قد وقع و وجد فهو في حيز الماضي، و لا سبيل إلى ثالث، فدلوا على صحة هذا.
فالجواب في ذلك- و باللّه التوفيق- أن الماضي هو الذي أتى عليه زمانان:
أحدهما: الزمان الذي قد وجد فيه، و زمان ثان يخبر أنه قد وجد و حدث و كان، و نحو ذلك، فالزمان الذي يقال: وجد الفعل فيه و حدث غير زمان وجوده، فكل فعل صح الإخبار عن حدوثه في زمان بعد زمان حدوثه فهو فعل ماض، و الفعل المستقبل هو الذي يحدّث عن وجوده، في زمان لم يكن فيه و لا قبله.
فقد تحصل لنا الماضي و المستقبل، و بقى قسم ثالث، و هو الفعل الذي يكون زمان الإخبار عن وجوده هو زمان وجوده، و هو الذي قال سيبويه:" و ما هو كائن لم ينقطع".
فإن سأل سائل فقال: أي الأفعال أقدم في الرتبة؟ فإن لأصحابه في ذلك قولين، أحدهما: إن المستقبل أول الأفعال، ثم الحال، ثم الماضي، و هذا شيء كان يذهب إليه الزجاج و غيره، و الحجة فيه أن الأفعال المستقبلة تقع بها العدات، ثم توجد بعد تقدم الميعاد و انتظار الموعود، فيكون حالا، ثم يأتي عليه غير زمان وجوده، فيكون ماضيا.
و القول الثاني: إن الحال هو أول الأفعال، و يكون الأقرب إليه في الترتيب المستقبل، و تاليه الماضي. و الحجة في ذلك أن الميعاد بما يستقبل لا يصح إلا بما عرف و شوهد، حتى يتصوره الموعود، و يكون على ثقة مما وعد، و إلا فليس وراء العدة معنى يرغب فيه و لا يرهب منه؛ لأن القلب لا يتعلق منه برغبة و لا رهبة، و يكون المستقبل أقرب إلى الحال، من قبل أن المستقبل يجوز مصيره إلى الحال الذي هو أول، و الماضي قد بعد، حتى
[١] أبو إسحق إبراهيم بن السري بن سهل، المعروف ب (الزجاج)، توفي سنة ٣١١ ه.