شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٥٠
الفعل للمؤنث. و قد قال أبو عثمان و غيره من النحويين: إن الألف في" قاما"، و الواو في" قاموا" حرفان لا يدلان على الفاعلين و الفاعلين المضمرين، و أن الفاعل في النّية، كما أنك إذا قلت:" زيد قام" ففي" قام" ضمير في النّية، و ليست له علامة ظاهرة، فإذا ثنى و جمع فالضمير أيضا في النّية، غير أنّ له علامة.
قال أبو سعيد: القول فيه عندي ما قاله سيبويه؛ و ذلك أنه لا خلاف بينهم أن التاء في" قمت" هي اسم المتكلم و ضميره، و قد يكون للمتكلم فعل لا علامة للضمير فيه، كقولك:" أنا أقوم"، و" أذهب"، فإذا جاز أن يكون له فعلان، أحدهما يكون ضميره في النّية، و هو:" أقوم"، و" أذهب"، و الآخر يتّصل به ضمير المتكلم، و هو:" قمت"، و" ذهبت"، جاز أن يكون ذلك في الغائب، و أيضا فإنك إذا قلت:" زيد قام، و الزّيدان قاما" فقد حلّت هذه الألف و الضمير الذي في" قام" محل" أبوه" إذا قلت:" زيد قام أبوه"، فلما حلّ محلّ ما لا يكون إلا اسما وجب أن يكون اسما.
فإن قال قائل: لم كان الواحد المضمر المرفوع بلا علامة لضميره، كقولك" زيد قام" و الاثنان و الجماعة بعلامة، كقولك:" الزّيدان قاما" و" الزّيدون قاموا" و" الهندات قمن"؟
فإن الجواب في بذلك أنّ الفعل معلوم في العقول أنه لا بدّ له من فاعل، كالكتابة التي لا بدّ لها من كاتب، و كالبناء الذي لا بد له من بان، و ما أشبه ذلك، و لا يحدث شيء منه من تلقاء نفسه، فقد علم فاعل لا محالة، و لا يخلو منه الفعل، و قد يخلو من الاثنين و الجماعة، فلما لم يخل بالفعل من واحد، لم يحتج إلى علامة له، و لما جاز أن يخلو من الاثنين و الجماعة احتاج إلى علامة.
فإن قال قائل: إذا جعلت الألف و الواو و النون في:" قاما أخواك" و" قاموا إخوتك" و" قمن الهندات" علامة تؤذن بعدد الفاعلين، كما جعلت التاء في:" قامت هند" مؤذنة بالتأنيث، فلم لا يكون الاختيار" قاما أخواك"، كما كان الاختيار" قامت هند" و لا يحسن" قام هند"؟
فالجواب في ذلك أنهما يفترقان؛ لعل منها: أن التأنيث لازم للاسم، موجود فيه، و ليست التثنية كذلك؛ لأنها قد تفارق الاسم فيصير إلى الواحد فللزوم التأنيث لزمت علامته؛ و لزوال التثنية لم تلزم علامتها.