تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٠ - مكاشفة
جوهره بتحصيل اليقين و الوصول إلى ثواب اللّه و التقرب اليه، فيبعثه ذلك على قمع الشهوات الظاهرة عن النفس- أولا- ثم على قلع الصفات الذميمة الباطنة عن القلب- ثانيا- ثم يختار العزلة و الخلوة عمّا يشوّش ذكره و يوسوس طبعه فيجلس للمراقبة و الذكر و الفكر، ثم يؤدى به ذلك إلى أن يجعل همومه و مقاصده و أغراضه واحدا- هو التشوق إلى طلب الحق-.
و إذا غلب ذلك على قلبه فهو بعد ناقص محروم ما لم يكن من المتفكرين و أهل العلم، فإن كان له مجال في التفكر و حركة معنوية في الباطن شغله ذلك عند التجرد عن محاربة الشيطان و وساوس الوهم بإبداء الشبهات و الشكوك في قلبه حتى يضلّه ذلك عن الطريق، و إن لم يكن له سير في الباطن و حركة معنوية في الملكوت فلا ينجيه الأوراد المتواصلة و الصلوات المتعاقبة، بل يحتاج معها إلى تكليف الحضور لقلبه بالأفكار المعنوية، فإن التفكر في الباطن هو الذي يستغرق القلب و يسخّر النفس دون الأوراد الظاهرة.
و ربما لم يسلم مع ذلك من الآفات الشاغلة له في بعض الأوقات من الفكر و الذكر ضرورية كانت أو غير ضرورية، كمرض و خوف، أو إيذاء من مخاصم، أو طغيان من مخالط لضرورة المعيشة أو اشتغال بمطعم أو ملبس مما يحوجه إلى شغل تولاه بنفسه، فإن تيسر له قطع هذه العلائق ليسلم له أكثر الأوقات، فيصفو قلبه، و ينشر فكره في عالم الملكوت، و ينكشف له من أسرار اللّه ما لا يقدر على شيء قليل منه جملة الأذكياء المشتغلين بقلوبهم بالدنيا و علائقها.
و هذا أقصى المقامات التي لاختيار العبد مدخلية في أن تنالها بالاكتساب و الجهد، فأما مقادير ما ينكشف له من فضل اللّه، و مبالغ ما يرد عليه من رحمته فهو خارج عن اختياره و اقتداره فإنه يجري مجرى الصيد و هو بحسب الرزق و الطالع الأسمائي، الذي طالع طالعه السمائي، فقد يقلّ الجهد و يحلّ الصيد، و قد يطول الجهد و يقصر الحظ، فالمعول بعد ذلك على جذبة من جذبات الحق التي توازي