تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١١ - مكاشفة
عمل الثقلين، و ليس ذلك باختيار العبد، و إن كان له اختيار في أن يتعرض لتلك الجذبة بالاكتساب من الرياضات الفكرية و العملية (العلمية).
و إليه الإشارة
بقوله: إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرّضوا لها. [١]
و ذلك بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا فإن المجذوب إلى أسفل السافلين كيف ينجذب إلى أعلى عليين، و ذلك لأن تلك النفحات و الجذبات أرزاق معنوية بمنزلة الرزق الصوري، فلها أسباب سماوية رحمانية، كما أن للرزق الصوري أسباب سماوية جسمانية، إذ قال، وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ [٥١/ ٢١] فإن هذه السماء الجسمانية مثال و ظل لمبدإ رحمانيته تعالى المنبعث عنها الأرزاق الصورية و المعنوية كلها، و لهذا وقعت الإشارة بقوله. الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.
و هذا الذي كلامنا فيه من أجلّ مراتب الرزق المعنوي، فهو أيضا من أسباب سماوية قدسية، و الأمور السماوية غائبة عنا فلا يدرى متى يسر اللّه أسباب الرزق، فما علينا إلا تفريغ محل القلب و الانتظار لنزول الرحمة و بلوغ الكتاب أجله- كالذي يصلح أرض الزراعة و ينقيها من الحشيش و يبث فيها البذر- بأن يصفى المريد القلب عن ذمائم الصفات، و يبث فيه بذر المعارف الإلهية- و كل ذلك لا ينفعه إلا بنزول المطر و لا يدري متى يقدر اللّه أسباب المطر إلا أنه يثق بفضل اللّه و سنته في أن لا يخلي الأرض سنة عن مطر، فكذلك قلّ ما يخلو قلب المريد الصافي في شهر أو يوم عن جذبة من جذبات الحق.
و بالجملة- فقد علم أن تطهير القلب عن حشيش الشهوات، و التبذير فيه ببذر الايمان باللّه و رسله و ملكوته، و جعله عرضة لمهابّ فضل اللّه مما لاختيار العبد مدخل فيه، إلا أن يكون في غاية الجمود و القساوة لسبق الكفر المتمادي أو الفسوق المتراكمة كالجاحدين من أهل الكتاب.
[١] الجامع الصغير: باب الالف بعده النون: ١/ ٩٦.