تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٤ - قوله سبحانه سورة السجده(٣٢) الآيات ٨ الى ٩
المطموسة تحت أشعة الأنوار القادسات و القاهرات، الأسيرة كلها في قبضة الرحمن، و لا نسبة لعالم الإمكان الذي هو مثار القصور و النقصان إلى جناب الكبرياء الباهر برهانه على الضياء.
فقد لاح أن الوجود كله على أحسن ما يتصور من الحسن و النظام، و لنا براهين نيّرة على هذا المطلب أوردناها في مواضع من كتبنا على وجه البسط و التحقيق، من أراد الوقوف عليها فليطلب من هناك، و اللّه ولي التوفيق.
و قيل: معنى «أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» علم كيف يخلقه، كما
قال أمير المؤمنين عليه السّلام: قيمة كل امرئ ما يحسنه.
[١] و حقيقته: يحسن معرفته، أي يعرفه معرفة حسنة بتحقيق و إتقان. و قرئ «خلقه» على البدل، أى أحسن خلق كلشيء. و «خلقه» على الوصف، أي كل شيء خلقه فقد أحسنه.
قوله سبحانه: [سورة السجده [٣٢]: الآيات ٨ الى ٩]
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [٨] ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ [٩]
لما وصف خلقه بالحسن و لا ريب في أن حسن النظام بترتب الغاية المطلوبة منه، و غاية إيجاد العالم- كما بيّن- ذاته تعالى معروفا و معلوما كما دل عليه
الحديث القدسي من قوله تعالى: (كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لأعرف)
و حامل معرفة اللّه من جملة الأكوان الحادثة هو الروح الإنسانية التي هي نور من أنوار اللّه الفائضة على اللطيفة القلبية، و سره الواردة من أمر «كن» على عرش
[١] نهج البلاغة: الحكم، رقم ٨١.