تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٥ - قوله سبحانه سورة السجده(٣٢) الآيات ٨ الى ٩
الجسم البخاري القلبي، المشابه للجرم السماوي المنعوت بقوله تعالى: «وَ هِيَ دُخانٌ» [٤١/ ١١] فأراد أن يشير عقيب ذكر إحسان خلق كل شيء إلى كيفية خلقة الإنسان الذي هو الثمرة لوجود الخلائق.
ثم لما كانت حقيقة الإنسان ذات جهتين، مركبة من أصلين هما خلاصة العالمين: بدن هو صفوة الأجسام العنصرية، و روح هي صفوة الأرواح- كما أن العالم بتمامه منقسم إلى غيب و شهادة- كذلك الإنسان الذي هو على صورة العالم عالم صغير مشتمل على غيب و شهادة، أي روح و جسم، فأشار إلى أصل تكونّ كل منهما و قدّم بيان نشوء البدن على بيان نشوء الروح، لكونه أظهر وجودا و أجلى معرفة على المتوطنين في دار المحسوسات، فقال مشيرا إلى إنشاء البدن: «وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ» هذا بحسب أصل خلقته الحدوثية في أول شخص وجد كآدم عليه السّلام فإنه كان إنسانا تولد من غير مادة باقية من شخص آخر أو شخصين، استعدت لوجود ذلك الإنسان استعدادا قريبا.
ثم قال: «و جعل نسله من ماء مهين»، و هذا بحسب وجوده البقائي التوالدي، الحاصل من بقية أصل بدني، كان جزء من بدن مماثل للبدن اللاحق المسمى بالنسل، أي الذرية، و إنما سميت ذرية الإنسان نسلا له، لأنها تنسل منه، أي تنفصل منه و تخرج من صلبه، و نحوه قولهم للولد «سليل» و «نجل».
و قال مشيرا إلى إنشاء الروح و إبداعها «ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ» و نعم ما قال الزمخشري من قوله: و دلّ بإضافة الروح إلى ذاته على أنه خلق عجيب لا يعلم كنهه إلا هو، كقوله: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [١٧/ ٨٥].
و اعلم إن الخطب في الروح عظيم و الكلام فيه طويل، قلّ من الحكماء من حصّل معناه، و قلّ من النظار من بلغ إلى فحواه، و ليس هذا الروح المذكور في هذا الموضع ما أثبته الأطباء و هو الجرم الشبيه بالأجرام السماوية، لصفائه و اعتداله