تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٣ - قوله سبحانه سورة السجده(٣٢) الآيات ٦ الى ٧
قوله سبحانه: [سورة السجده (٣٢): الآيات ٦ الى ٧]
ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧)
ذلك المدبر عالم يكون علمه عين إيجاده للأشياء على أحكم وجه و أتقنه، و إيجاده للأشياء على أبلغ النظام و الإحكام عين علمه و تدبيره، فيكون غيبه شهادة و شهادته غيبا و هو العزيز في غاية العظمة و الكبرياء، لبرائة ذاته عن وصمة الحدوث و الإمكان و عن شوب الاشتراك و المماثلة مع الماهيات، الرحيم الذي يصل نور فيضه و أثر جوده إلى كل عال و سافل، و قاص و دان، لكونه في العلو الأعلى من جهة الذات و الوجود، و الدنو الأدنى من جهة الفيض و الجود، و لذا عقّبه بقوله:
«أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» فإن ذاته لما كان في غاية الجلالة و العظمة، و كان الموجودات كلها نتائج ذاته و اشعة أنوار صفاته، فيكون في غاية ما يمكن من الحسن و الجمال و الكمال، و لأنه ما من شيء خلقه إلا و هو مرتب على ما اقتضته الحكمة الإلهية، و أوجبته العناية الأزلية، فيكون جميع المخلوقات حسنة في غاية الحسن المتصور في حقه، و إن تفاوتت و انقسمت إلى حسن و أحسن إذا قيس بعضها إلى بعض، كما قال سبحانه: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [٩٥/ ٤].
أما الشرور و الآفات التي يتراءى في نظر المحجوبين، فهي ليست شرورا بالحقيقة، لأن الشر الحقيقي عدم أو عدمي لا وجود له، و أما الذي يؤدى إلى عدم ذات أو عدم كمال الذات مما يسمى باسم الشر مجازا فهو إنما خلق لأجل النفع في أشياء اخر، لا يهملها خالق القضاء و القدر، و ما يعد شرا؛ في تركه شرّ أكثر بكثير منه، و هو أيضا لا يوجد إلا في جزء من وجه الأرض، و هي حقيرة بالقياس إلى سماء الدنيا، الخالية عن هذه الآفات مع حقارتها بالنسبة إلى جملة السموات المقهورة،