تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٢ - مكاشفة
الأعلى و اللوح الأعظم على منصّات الأكوان في عالم الزمان و المكان، فاستمع لشرحه ١٥٠ اليسير الذي يتيسّر سماعه للمحدق البصير:
فنقول: إن الباري تعالى لمّا شرع في الإفاضة و الجود فأول ما أفاد وجوده هو العالم العقلي المشتمل على صور روحانية هي جواهر مجردة عن الأجسام و المواد، منزهة عن العوائق الخارجية و الفساد، مدركة لذواتها و لما عداها بذواتها- على ما بيّن بالبرهان، و نص عليه في الحديث و القرآن، و صرح به في كتب أهل العرفان- و هي من عالم الأمر كما قال: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [١٧/ ٨٥].
و
روي عن النبي (ص): «إن اللّه كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي ١٥١. فهي مكتوب عنده فوق العرش». [١]
و هذا العالم عالم الملائكة الموكلين بعالم السموات و الأرضين على وجه الإفاضة و التأثير، و أعلى منهم الكرّوبيون، و هم العاكفون في حظيرة القدس لا التفات لهم إلى الأجسام، بل لا التفات لهم إلى غير اللّه لاستغراقهم بشهود جمال الحضرة الربوبية و جلالها، و لا يستبعد أن يكون في عباد اللّه من يشغله جلال الحق عن الالتفات إلى غيره.
و
قد وقع في الحديث عن رسول اللّه (ص): «إن للّه أرضا بيضاء مشحونة خلقا لا يعلمون إن اللّه يعصى في الأرض، و لا يعلمون إن اللّه خلق آدم و إبليس». [٢]
رواه ابن عباس.
و هذا الصنف من المفارقات التي ليست واقعة في سلسلة علل الأجسام
[١]
البخاري: كتاب التوحيد: ٩/ ١٦٥: «لما قضى اللّه الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي».
[٢] جاء ما يقرب من هذا الحديث عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، راجع بصائر الدرجات: ٤٩٠.